Monday, January 19, 2015

صفحات من يومياتي "الراحمون يرحمهم الرحمن"


دوماً أراه بالقرب من المنزل، له شاري عريض و ملابس تشف عن رقة الحال، دوماً يحمل في يديه شيئاً يذهب به إلى مكان إلقاء القمامة ليضعه هناك أو عائداً يبحث عن المزيد من لقمة العيش.

نعم، لم أره من قبل يعمل إلا هذا العمل البسيط، يذهب للمنازل و المحلات ليأخذ القمامة منهم و يلقيها في مكان تجميع القمامة بالمنطقة، و لا أراه ثانية إلا و هو في المسجد يصلي معنا الفروض أو يتوضأ ليلحق بجماعة لاحقة إن فاتته الأولى.
هذا الرجل البسيط الحال، باسم الوجه، الاجتماعي الذي يبادرك بالسلام إن لم تُلقِه عليه أنت، هو فاعل خير أيضاً !

ذات يوم و أنا عائد للمنزل وجدته يمر بجوار امرأة جالسة على جانب الطريق و أتذكر أن كان أمامها مناديل ورقية تبيعها، و إذ بي أُفاجأ بأنه يضع يده في جيبه لِيُخرج منه صدقة يضعها في يد المرأة المسكينة.

و على أن هذا الفعل في حد ذاته موجود بكثرة في بلدنا، إلا أن سر مفاجأتي هو أن هذا الرجل الذي يتصدق عليه الناس لبساطة حاله، لا يتوانى عن التصدق على غيره في يسر و بدون تردد.

و الحقيقة أنني من أن رأيت هذا الفعل حتى تذكرت جزء من حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم: الراحمون يرحمهم الرحمن.
رحم الله الرجل المُتصدِّق و الذي يستحق بكل ثقة أن يكون مُتصدَّق عليه و غفر له و جعل ما يفعله في ميزان حسناته.

الحديث:

الرَّاحمونَ يرحمُهُمُ الرَّحمنُ . ارحَموا من في الأرضِ يرحَمْكم من في السَّماءِ ، الرَّحمُ شَجْنةٌ منَ الرَّحمنِ فمن وصلَها وصلَهُ اللَّهُ ومن قطعَها قطعَهُ اللَّهُ

الراوي: عبدالله بن عمرو 
المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الترمذي - الصفحة أو الرقم: 1924
خلاصة حكم المحدث: صحيح


Sunday, January 18, 2015

إلى من؟

ليس من الحكمة إلقاء الخُطَب على قبور الموتى، و إنما مخاطبة الأحياء هي الأجدى ..
و كم من أحياء و لكنهم موتى .. القلوب !

Monday, January 12, 2015

صفحات من يومياتي "الجد"

صفحات من يومياتي

"الجد"

بقلمي: عمر الطحان

المكان: حلوان – شارع جعفر باشا متفرع من شارع زكي – حلوان الشرقية

الوقت: بعد العصر في يوم صيفي

الزمان: حول منتصف الثمانينيات من القرن العشرين

الحدث: كنت أمام فرن للخبز البلدي لأشتري للمنزل كما عودتني أمي في أمر الاعتماد عليّ في إحضار بعض احتياجات المنزل منذ صغري.

كان الطابور طويلاً و شعرت بالملل من الوقوف الطويل بدون حركة و أنا كأي طفل لا يزيد عمره عن العشر سنوات أرغب في المزيد من الحركة، و كانت هناك شجرة ملاصقة للمخبز، كبيرة وارفة الأغصان كثيرتها و تتمتع أغصانها بالقوة و السُمك.
و بحكم نشأتي في عمارة المقاولون العرب و التي لها حديقة بها شجرة أخرى كبيرة قد تعودت على تسلق الأشجار للعب، و عندما رأيت الشجرة بجوار المخبز و الطابور المُمل الطويل لم أستطع مقاومة تسلق الشجرة لتمضية الوقت في اللعب عليها بعيداً عن الطابور.
 

و لا أذكر في الحقيقة أكانت أول مرة لي في التسلق أم عندما تكرر الأمر عدة مرات أن وجدت عند نزولي منها من يناديني: "طرزان"، فالتفت لأجده هو من يناديني، رجل طويل أميل للنحافة، أبيض البشرة مشرب بحُمرَة، أبيض الشعر ناعمه و قد خط الزمن على وجهه و يديه تجاعيد عميقة و نمش يناقض لون بشرته، عيناه زرقاوان صافيتان و وجهه يحمل وسامة لم ينجح الزمن في إخفائها.

سنه وقتها لربما جاوز السبعين بسنوات، و لكن الحيوية كانت تنبض في عروقه، ابراهيم كان اسمه و "الجد" كان لقبه، كان يعمل في ورشة حدادة على الجهة المُقابلة للمخبز و كان كل من يعملون معه ينادونه ب "يا جِدّ".

ناداني "الجد" و قال لي: نعم أعنيك أنت. فلما ذهبت اليه قال لي: هل تعرف طرزان؟ فلما أجبته بلا قال لي أنه يحب "التنطيط" مثلي على الأشجار و ما أن عَلِم أنني أحب القراءة قال أنه سيُحضِر لي غداً معه قصة من قصص طرزان لأقرأها لأنها مليئة بالمغامرات الشيقة و ستعجبني. و قد عرض عليّ أن انتظر دوري في الطابور معه في ورشته و أن أشاهده و هو يعمل في هذه الأثناء و في هذه الأثناء كان يُحدثني عن طرزان و مغامراته الشيقة في الغابة و أنا منجذب اليه و قد نسيت الشجرة.

و بالفعل كانت القصة المكتوبة و ليست المصورة في انتظاري المرة القادمة و أعتقد أنها كانت خطوة ذكية منه لأن القصة المكتوبة ستأخذ وقتاً أطول في القراءة مما سيُبعدني عن الشجرة و التقافز عليها و تسلقها.

شدت القصة انتباهي حتى أتى دوري في الطابور فاستأذنته في أن آخذها معي للمنزل و آتيه بها غداً، و بالفعل انكببت عليها حتى أنهيتها و ذهبت اليه لأجده قد أحضر لي أخرى حتى لا يدع لي فرصة للتفكير في تسلق الشجرة. و كنت لا أُمضي الوقت فقط في القراءة و لكني أحياناً أشاهده و هو يعمل و أحياناً يحادثني و يحكي لي أقاصيص مختلفة لتمضية الوقت.

نمت بيننا علاقة زادت قوتها مع الوقت حتى صرت أزوره تقريباً في كل مرة أذهب فيها إلى السوق أو إلى المخبز و كان لصنيعه معي أثران:
الأول هو البدء في انتقال حبي للقراءة من المصورة إلى المكتوبة بالكامل، و الثاني هو البدء في الالتفات بصورة جدية للأدب العالمي المكتوب و القفز على سلم القراءة درجات تأخذ أعواماً من غيري للوصول اليها، كل هذا و أنا لم أُتم العاشرة من عمري بعد.

 رحم الله الجد ابراهيم و غفر له و أثابه عني كل خير.

Tuesday, January 6, 2015

فصل الحنين

إذا ما نهش الشوق قلبك بلا رحمة فاعلم أن فصل الحنين قد هلَّت بشائره.

Sunday, January 4, 2015

رجل سيتي ستارز

من الأماكن الممقوتة لديّ مول سيتي ستارز، ففيه أشعر أن كل شيء مُوَّجه لطبقة أخرى لا أنتمي لها و لا أُحب، مما أراه من أغلب المنتمين اليها.

كنت هناك يوماً لأشاهد فيلم Interstellar بعدما أعيتني الحيل لأشاهده في سينما أخرى و لم أستطع، و وسط شعوري بالغربة في هذا المكان الذي يتحدث لغة غير لغة أغلب هذه البلد المطحونة و يخاطب مجموعة من البشر تكاد تأخذ قرارها بالسكن في مجمعات منفردة عن باقي "الأغيار" كما أبدع د. أحمد خالد توفيق في روايته "يوتوبيا" و ذلك حتى لا يختلطون بملح الأرض الذي يثير اشمئزازهم أو يُذكرهم بما مضى، أجد وسط هذا كله أنني أبحث عن مُصلى لأصلي العصر مع صديقي قبل أن يؤذن علينا المغرب فنتوه طويلاً و نسأل كثيراً حتى وجدنا واحداً.

و ما أن اقتربنا من المُصلى حتى وجدنا رجل أربعيني يبدو من ملابسه و شكله أنه غير مصري، يجلس بجوار خزانة الأحذية الخاصة بالمُصلى و جيبه به بعض العملات التي جاد بها عليه بعض رواد المُصلى، و التي قد تكون آخر اليوم هي ما يسد به رمق أطفاله أو يشتري به دواء ما، أجده وهو جالس في هدوء بجوار خزينته في وداعة و صفاء ملامح لا أجدهما في أغلب مرتادي هذا المول المُرسخ للنمط الإستهلاكي في مجتمعنا.
و ما أن صلينا العصر حتى آن وقت المغرب لأجد الرجل الأربعيني يدخل المُصلى بهدوء مستجمعاً صوته ليشدو بالأذان في خشوع و سكينة لأستمع إلى واحد من أحلى ما سمعت في حياتي من أذان للصلاة و صلى ركعتي تحية المسجد و أقام للصلاة في وقتها و بعد الصلاة جلس يختم الصلاة و يُتمها ثم يُصلي السُنّة بدون التفات لمن يخرج آخذاً حذائه و معه أمله في بضعة عملات قليلة هو أحوج اليهم، و لكنه فضّل نداء الآخرة على نداء الدنيا .. و بدون التفاتة واحدة نحو الباب.

أجد هذا النموذج مُعادِل بقوة و إن نَدَر و قَل للنموذج الإستهلاكي الصارخ للمول بكل ما يمثله في كثير من الأحيان من حب للظهور و من تكاليف باذخة للحياة يستطيع المرء أن يوجهها في أوجه إنفاق أخرى كثيرة و يحتفظ لنفسه في نفس الوقت بالأناقة التي يريدها و بنصف أسعار هذا المكان سواء في الملبس أو المأكل.

هذا الرجل بخزانته و زاويته الصغيرة التي أحسست فيها بخشوع و بهدوء أعصاب و راحة نفسية و سكينة لم أجدهم في أكبر و أفخم المساجد التي دخلتها كانوا واحتي الصغيرة الجميلة في صحراء النمط الغربي الإستهلاكي التي عشت فيها بضع ساعات.

Wednesday, December 24, 2014

الوداع الجميل ..... المستحيل!

الوداع الجميل و المستحيل هو ذلك الوداع الذي لا يعقبه ألم و لا ندم و لا يتلوه شوق و لا حنين.

Tuesday, December 16, 2014

The One

when do you know that she's the one??
when you find out that all alphabetic letters are incapable of telling what you really feel ..
and you need to invent a new letter just to express your feelings toward her.

Sunday, December 14, 2014

سبيل و دليل

وحده صوتك قادر على جمع شتات قلبي الذي تاه في دروب الحياة حنيناً و شوقاً ... فهل إلى سماعه من سبيل؟؟

وحدها يداك قادرتان على ري أرض قلبي الشراقي .. فهل إلى لمسةٍ من سبيل ؟؟

وحدها عيناك قادرة على بث كل كوامن الحياة في روحي المتهالكة ... فهل إلى نظرةٍ من دليل؟؟

Thursday, December 4, 2014

تمكين الشباب

من لطائف الكبار أنهم ينادون دوماً بتمكين الشباب و أن الدولة لا تمنح للشباب فرصتهم للإستفادة من حماسهم و تجدد أفكارهم و إمكانياتهم ...
و لكنهم على الوجة الآخر للعملة يُسخفون من آراء الشباب في محيطهم القريب و يثبطونهم و يستخفون بآرائهم و أفكارهم ..
خاصة إن كان للشباب آراء تختلف عن آراء الكبار و لا تتفق مع مسلماتهم.

الشرق و الغرب

كان قطارا الشرق و الغرب يسيران كلٌ في اتجاهه ....
تلاقيا في ثوانٍ سريعة ...
تلاقى زوجين من العيون للحظة ..
أغمض كلٌ منهما عينيه على تلك النظرة حتى وصل القطار لمحطته الأخيرة !

Monday, November 17, 2014

تحت الطلب

لم يستطع أن يستمر تحت الطلب فآثر أن يكون خارج نطاق الخدمة.

Sunday, November 16, 2014

إشكالات حول فيديو صولة الأنصار

لدي بعض الإشكالات مع فيديو صولة الأنصار سواء من ناحية الجيش أو من ناحية الجماعات المسلحة مع بدء استهداف أفراد من الجيش بالقتل:

1- الجيش استعدى طوائف شتى من الشعب عليه طوال عام و نيف حتى الآن بالقتل و التعذيب في السجون الحربية و يضاف إلى ذلك في سيناء الحرق و تدمير الممتلكات و المزارع و قتل المواشي و قصف القرى العزلاء في عمليات غير مجدية في محاولة الوصول للجهاديين الذين كانوا يوجهون أسلحتهم نحو اسرائيل بعيداً عن الداخل.

2- أفراد الجيش المقتولين منهم البريء و منهم من هو مثل هذا الذي تفاخر أمه بأنه كان يقتل الناس و يحرقهم:
https://www.facebook.com/video.php?v=416581988490095

 3- نأتي للأبرياء من أفراد الجيش القتلى:
هؤلاء إما ليس لهم ذنب إلا تكليفهم بالخدمة في هذا المكان و لم تتلوث أيديهم بأي دماء بعد، و إما هم "عبد المأمور" في القتل و التدمير الممنهج للجيش في سيناء.
و هم في كل الأحوال ضحايا لمنظومة الطاعة المطلقة في جيش بدأ يوجه أسلحته داخلياً لمن يخالفه في الرأي السياسي من أكثر من عام و أصبح أي فرد عرضة لسلاح الجيش طالما خالفه في التوجه.


 4- تعريف الجنود الأبرياء صار غامضاً و مختلطاً للغاية لأن هذا الجندي قد يكون أحد أفراد عائلتي و عائلتك و فعلاً لا دخل له في أي شيء و يُقتل دون ذنب أو جريرة و قد يكون من نوعية الذي تفاخر به أمه كما هو في الفيديو أعلاه.

أما الأصعب فهو أن يكون أحد أفراد عائلة أحد منا و قبل الجيش كان بريء و إنسان لا يمكن الشك في انسانيته ثم دخل الجيش و تحول لقاتل بارد الدم دون أن يعرف أحد من معارفه بذلك و لذلك يكون الأمر مختلطاً على الجميع.

 5- لو كانت الإستهدافات لقيادات كبيرة في الجيش و الشرطة ممن يُعلم أنهم لولا إجرامهم ما وصلوا لمناصبهم الحالية لكان الأمر مبرراً و ذلك لما يُعلم لأغلب الناس من إجرام القيادات العليا في المؤسسات الأمنية بصورة شبه يقينية، و لكن استهداف المجندين و الرتب الصغيرة لا أرى أنه ذا جدوى لعدة أسباب:

 * أولاً: هم كثيرون جداً و يسهل استبدالهم و يسهل استثارة عواطف الناس للتعاطف معهم لأن مسمى "أبرياء" صار مطاطاً خصوصاً مع المجندين.

 * ثانياً: طالما الخطر بعيد عن المجرمين الحقيقيين فلن يمثل لهم ذلك مشكلة للإستمرار في غيهم و عدم الإعتداد بالأرواح التي تُزهق لأنهم سيستغلوها إعلامياً للمزيد من التعاطف مع توجهاتهم الداخلية.

 * ثالثاً: المجندين و صغار الضباط عادة ما يكونوا لا ناقة لهم و لا جمل في إجرام الجيش اللهم إلا إطاعة الأوامر مما يُشعِر المرء بغصة عميقة في حلقه لاستهدافهم لأنهم ضحايا للشئون المعنوية و رؤسائهم و غالباً الحقائق بعيدة كل البعد عنهم.

 6- ما أقوم به هنا ليس تأييداً لما حدث مطلقاً و لكنه محاولة لفهم الموقف الملتبس الذي حدث و الذي أريقت فيه دماء أغلب الظن أنه يحرم سفكها لعدم اليقين بضلوعها في أي أنشطة تدميرية للجيش.

 7- الجيش لن يتوقف عما يفعل بسيناء لأن ما يحدث منه بناء على خطة ممنهجة و مطلوب تحقيقها و تهجير الشريط الحدودي أولها و ليس آخرها و ستتضح ملامحها مع الأيام.

 8- سواء كانوا جهاديين أو حتى تكفيريين فلم تثور ثائرتهم إلا بعد إجرام الجيش في سيناء مما يوضح بجلاء أن الحل الأمني المستمر في البلد بصورة مستمرة منذ الإنقلاب العسكري لن يؤتي ثماره، بل سيأخذ البلد إلى منحدر عميق لا يدرك تفاصيله إلا الله.

 9- الجيش نجح في جعل العديد من أفراد الشعب المصري يتعاطفون مع أي عمل يؤذي الجيش نتيجة بغيه و فجره و إجرامه منذ الإنقلاب و هذه نتيجة سلبية يتحمل وزر البدء فيها الجيش وحده.

 10- هذه العمليات ستزيد الهوة و الإنشقاق بين فصائل الشعب عمقاً و لن تكون لها نتائج إيجابية لأن الدولة الأمنية في مصر منذ عهد المماليك المتأخرين لا تتوانى عن استخدام القوة المفرطة في قمع معارضيها مما قد يتسبب في النهاية إما إلى سيناريو مشابه لسوريا و إما إلى إعلان انفصال سيناء و في كُلٍ شر.

Tuesday, November 11, 2014

استثناء


(1)

بينما تجلس في انتظار قطارها فائق السرعة كي ينقلها من مدينتها الصاخبة الفاتنة المطلة على البحر إلى تلك المدينة الهادئة الشبه صحراوية المتجهة إليها في هذا اليوم المُميز و الذي تحمل ذكراه عبق سنوات طويلة مضت منذ أن تم تعيين هذا اليوم بالذات ليكون نقطة اللقاء الإلزامية و لو بطريقة افتراضية، إذ فوجئت بحجابها يتطاير مع تيار هواء قوي إثر مرور قطار لطالما أبهرها شكله و هو يمرق كالبرق أمامها بلونه الرمادي الرائق بينما أعلى و أسفل عرباته يمتزج اللون الأسود بلون أبيض بسيط يتخلله مما يجعلها ترى فيه كل مرة شريط سينما قديم كالذي كانت تراه في الأفلام الغير ملونة قديماً و هي صغيرة ...

و بينما تُلملم أطراف حجابها المتطاير كانت لا تستطيع ان تُبعد عينيها عن شريط السينما الجميل الذي يمرق أمامها حاملاً وجوه الركاب كمشاهد سريعة متتالية متباينة المشاعر و الأحاسيس ... بل الحكايات و الأقاصيص ..

و جائت اللحظة التي تحبها دوماً .. لحظة وقوف القطار و هي تتمنى أن تكون أمام نافذة من نوافذ القطار – شريط السينما- لتنظر عبر الزجاج إلى حكاية جديدة أو أُقصوصة تستشفها من الوجه وراء النافذة، و توقف القطار بالفعل و رنت بعينيها صوب النافذة و لكنها لم تر وجه خلف الزجاج الذي اُسدلت من وراءه الستارة الداكنة، بل وجدت عينيها تحدقان بها ... 

لا ... لا ... لا يُمكن !!

إنها ... إنها عيناه هو و ليست عينيها ... عيناه هو من تتأملانها ... عيناه هو من تنظران اليها، و في الحال وجدت أن الكون كله قد توقف .. لقد ثبت المشهد بأكمله أمام ناظريها .. القطار .. السحاب .. الطيور .. حتى الهواء و ورق الشجر ...

لقد توقف الزمن بأكمله أمام هذه اللحظة .. أمام هذه اللمحة .. أمام هذه النظرة ..
هذه النظرة هي ذاتها التي رأتها في عينيه يوم التقته لأول مرة في مناسبة سعيدة مشتركة ... تذكرت على الفور كيف أن لحظة التقاء عينيهما وقتها كانت لحظة مُصافحة و ليست لحظة تعارف ..

لقد تصارحا بعدها بفترة و اندهش كل منهما كيف تطابق إحساسهما عن هذه اللحظة لهذا الحد ... كلاهما أكد ان لحظة التقاء العينين كانت لحظة شعر كل منهما فيها انه وجد نصف .... 

لا .. ليس نصفه الاخر .. بل نصف روحه الآخر!

لقد كانت لحظة حنين من كل نصف من الروح المُشتركة بينهما إلى نصفه الآخر .. لقد شعرت لحظتها و لأول مرة أن روحها التي بين أضلعها تتململ ... تشعر بالنقص .. بالحنين .. تعجبت و هي من كانت على الدوام تُحِس بالاكتمال الذاتي و ان روحها دوماً مطمئنة .. لقد أحست و لأول مرة أن روحها تشعر بالبرد! 

نعم روحها و ليس جسدها .. روحها ترتجف من البرد و تهفو نحوه باحثة عن الدفء .. و هي تُقاوم هذا الإحساس العجيب الذي لم يظهر على مُحّياها و إن كان يمزقها من الداخل، بحثت في عينيه عن شيء فوجدت أشياء ... وجدت في عينيه روحه و هي تتقافز بجنون في حدقتيه ... وجدت أنفاسه تحمل عبق مُخدِّر تسلل لحناياها و أضعف مقاومتها .. و جدت على شفتيه ابتسامة جعلت ثغرها يفتر عن أجمل بسمة ارتسمت على ملامحها القسيمة ..

لم تدر كم استغرقت هذه النظرة .. و لكن ما تأكدت منه وقت أن ابتعدت العيون عن بعضها أنها بداية ... و أنها لن تعود كما كانت من قبل ..
أبداً.
(2)

أمام النظرة التي طالعتها من تلك العينين اللتان تُطلان عليها من النافذة و التي أعادتها لعالم آخر حلقت فيه يوماً بجناحين منسوجين بخيوط من ثنايا روح التئمت بعد انفصال طويل، وجدت نفسها تسترجع ذكريات قديمة جداً ... و لكن و يا للعجب كانت الصور تترى أمام ناظريها متجسدة و مُكوّنة لمشاهد و أحداث بكامل تفاصيلها و كأنها حدثت بالأمس ... 

لا ... لم يسير الأمر كما ورد بأذهانكم الآن ...

بل سار في نهج مختلف تماماً و مر بطريق طويل لم تدر هي نفسها كيف و لِمَ ؟؟

التقيا بعد ذلك عدة مرات في مناسبات مُشتركة، و كان التعارف ناعماً .. اشتركا في العديد من المناقشات و اندهشت من توافق الأفكار .. بل لو شاءت الدقة لقالت "تكامل" الأفكار .. كان وحده يستطيع تحفيز عقلها و استفزاز خلاياه للقيام بكل ما تستطيع لمناضحة فكره أو للسير معه على نفس الخط ... 

كانت تستمتع بنعومة الاحتكاك العقلي بينهما و الذي يُسفر دوماً عن نوع عجيب من رد الفعل لديها ... فلا يُهم من فيهما انتصر لرأيه أو من منهما بدأ الجملة ليُتمها الاخر و لا من منهما اندهش من الإعجاب بنفس الأشياء و الاهتمام بنفس الهوايات بل الأشخاص اللذان يقرآن لهما أو ما يُفضلانه من مأكولات أو أماكن للسفر أو مزارات سياحية من مختلف الحُقب الزمنية التي مرت على البلاد مما جعلها في عيون المُدققين ثروة أثرية فكرية تاريخية حضارية تُغذي روح من يغوص بداخلها و يكتشف آثارها بنفسه .. و كلما غاص أكثر كلما استخرج المزيد و المزيد.

ابتسمت و هي تتذكر أن نفس هذه الكلمات سمعتها منه و هو يتكلم بشغف عن مدينتها التي اشتهرت بتنوع ثقافاتها و تعدد أوجهها الحضارية و التي اعترف لها لاحقاً بانه كان يقصدها هي بكل ما قال .. 

فهو قد رأى أنها تجسيد حي لمدينتها في أنقى حالات التجسد .. و ان سحرها في عينيه لم يكن –فقط- لما شعر به وقت أن التقت العيون أول مرة .. بل لأنه استمع في خلفية صوتها لهدير موج البحر بينما كانت هبات النسيم المُشبع باليود تداعب كيانه و هي تتحدث ... كان حفيف أوراق الشجر و زقزقة العصافير في خلفية إضاءة الشمس للآثار العتيقة التي تنطق بعبق السنين و علامات التاريخ في رنة ضحكتها المُشرقة ..

تبسمت روحها في سعادة و هي تتذكر قوله لها بأنه لطالما تردد في مصارحتها لأنه كان لا يراها إلا كنجوم السماء المضيئة، على قدر بهائها و صفائها و نقائها على قدر استحالة الوصول إليها .. و كيف يصل إلى نجمة باهرة الضياء تُنير لكل ما حولها؟؟
كيف يَمُد يديه ليلمس ثغر من ثغور السماء بين يديه الفانيتين ؟؟

استمرت ابتسامتها المُشرقة في الاتساع و هي تتذكر قوله انه لطالما كان يرى فيها كل جميل فيما حولها .. و كأنها تأخذ من كل شيء أجمل ما فيه ... لا ليس ذلك .. بل كل شيء يعطيها أجمل ما فيه لأنه أجمل و هو فيها .. كان لا يسأم من التغني بجمالها و فتنتها اللذين كانا دوماً يتزايدان مع الوقت و يتألقان مع الزمن ..كانت الموجودات جميعها تتبارى في تقديم أرقى و أنعم و أرق ما بها إليها حتى يتزين كل هذا باحتضانها له ..

طاف بخلدها وقت أن قالت له اسم أكثر معالم مدينتها حباً في قلبها و تعلقاً في روحها أن همس في أذنها بأنها هي أحب معالم مدينتها اليه ..

(3)

تذكرت وقت أن سألته: ألن تمل مني ؟؟ و كانت إجابته: أتمنى أن نشيب سوياً.
قالت له: بل أعني أن تسأم مني و لا تحبني كما تفعل الآن .. فأشرقت عينيه و هو يجيبها: كيف و أنا اُخطط أن استند على ذراعك و أنا شيخ هرِم؟؟

تنمرت هاتفة: ما علاقة كل هذا بسؤالي؟؟ ... 

مال نحوها حتى ملأ عبيرها رئتيه و حتى رأى في عينيها صراع كل مكونات الجمال المُختزن بداخل روحها و الذي تتنازع مفرداته للظهور على سطحها لتزداد هذه المُكونات بهاء و تألقا و هو يجيبها متأملاً أمواج عينيها الثائرة المتلاطمة: 

لأن روحي لم تعد ملكي .... لقد استوليتِ عليها يوم أن رأيتك أول مرة .. لم أعد أشعر بالأمان إلا و أنا بجانبك ... لم أعد أشعر بالدفء إلا معكِ .. لا تهدأ روحي إلا في وجودك ... لا أشعر بها تتواثب بين جانبيّ انتشاءً إلا في حضورك ... فكيف لي أن أملك من امري شيئاً بعد ذلك؟؟

تدللت قائلة: و لكنك لن ترى مني شعرة واحدة بيضاء .. ستشيب وحدك. و في سرها كانت تصرخ بلا صوت: و كيف لي أن اشيب و انا أشعر بشبابي يتجدد كلما نظرت اليك ؟؟ ... كيف لي أن أشيب بينما أنت نبع شبابي و ينبوع روحي أُحلق حوله في كل وقت فأتزود منه بآلاف السنوات من الشباب المتجدد؟؟

تعجبت كيف لا تصارحه بهذا و هي التي في أمس الحاجة لأن تُشعره بما يعتمل في جوانحها من مشاعر تُهز أعماقها حتى النخاع !! 

أخذت الذكريات تتداعى و القطار ينهب الطريق سريعاً لتظهر ملامح المدينة الهادئة أخيراً لتجد نفسها تبتسم و هي تتذكر كيف اتفقا على أن يهجر كل منهما مدينته عند زواجهما و أن يستقرا سوياً هنا، في هذه المدينة و هذا الحي بالذات الذي يُمثِّل لهما ما تبقى من عبق الثلاثينيات و الأربعينيات من القرن العشرين و اللذان طالما تمنيا الحياة فيهما بما يحملانه من هدوء و جمال لمدن و أشجار و منازل جميلة من طابقين أو ثلاثة على الأكثر و حسن أخلاق و مُعاملات بين الناس و بعضهم.

كادت تضحك و هي تستدعي من ذاكرتها اتفاقهما أن يكون منزلهما في هذا الحي الهادئ المزدان بالأشجار من دورين اثنين فقط و أن تكون شرفاته بها تعريشات خشبية و أن يحوي المنزل من العبق الخشبي ما يمنح لهذا العش الهادئ الروح التي تمنياها سوياً.

أخذت تحث الخطى سائرة إلى مكان المنزل و لم تتقبل أن تسعى اليه إلا على قدميها من فرط شوقها اليه .. أرادت أن تنقل قدماها اليها نبض السعي لمكان لطالما كان حلمها السكن اليه فيه و أن يضمهما إلى الأبد، بعيداً عن ضوضاء البشر.

أتت إلى خاطرها ذكرى كانت لا تمل من تكرارها معه قائلة له: ستظل تحبني؟ فيجيبها: إلى الأبد ..

و تسأله: هل ستحب يوماً امرأة غيري؟ فيجيبها مدهوشاً: و هل هناك غيرك؟؟
فتقول له حانقة: و ماذا عن النساء اللاتي يتحلقن حولك دوماً ؟؟ ماذا عمَّن يحاولن الاقتراب منك على الدوام و كأنك تجذبهن إليك عامداً !!

فيحيطها بذراعيه في حنان و ينظر الى عينيها العميقتين في نظرة وَجْد تعلم صدقها على الدوام قائلاً: صدقيني .. لا أراهن .. لم تتركي لعينيّ مساحة أنظر بها خارجك، لقد ملأتِ عليَّ ناظريَّ حتى بت أرى الدنيا داخل حدودك .. صرت أرى بعينيكِ و أسمع بأذنيك و لا أستسيغ إلا ما يمر إليّ عبرك .. أفلا تطمئنين ؟!

فتضع رأسها في صدره مسندة أذنها إلى قلبه هامسة في أذنه: أحب أن اسمع وجيب قلبك و أنا أقولها لك .. أحبك .. و أغار عليك حتى من نفسي التي بين جنبيّ.

 (4)

اقتربت في مشيها من المكان ... اضطرب قلبها و هي تحث الخطى .. اليه .
لكم تشتاق له .. كم تهفو روحها لنظره من عينيه .. للمسة من يديه .. لرائحة عطره .. لابتسامته .. لكم اشتاقت لكل تفاصيله!

وصلت قبل الغروب بقليل لتجده واقفاً شامخاً كما اعتادته .. يكاد يبرق ضياء و بهاء، انحدرت دمعتي حنين و اشتياق و هي تجد في مشيتها لتصل اليه قبل أن تغرب الشمس ..
ما أن وصلت في الوقت الذي كانت الشمس فيه تبث آخر ما لديها من ضياء إلى الدنيا قبل أن تغرب صابغة الوجود بلون الفراق حتى مدت يدها اليه ... 

لتزيح الغبار عن اللوحة ... 

لوحة شاهد القبر التي علاها الغبار منذ زارته آخر مرة.

قالت له في أنين و هي تتحسس الشاهد : اشتقت اليك .. 

لِمَ تُصِّر السنون أن تتوالى عليّ لتجبرني أن أتذكر في كل مرة كم مر عليّ في الدنيا بدونك؟؟

لِمَ يمر الزمن تاركاً اياي أعاني لوعة الفراق و يأبى أن تتقارب الأماكن بيننا؟؟
قلبي لم يعد يحتمل الحياة في عالم بلونين متباينين !! 

افتقدت الألوان في عالمي مذ فقدتك و أبت الموجودات إلا الظهور بالأبيض و الأسود.
ثم همست باكية و هي تمسح على الشاهد بكل ما يعتمل في قلبها من شوق: بخلت عليّ الحياة بأن نبني بيتنا في المكان الذي اخترناه بعد عناء و الذي ما أن رأيناه حتى تيقنا أنه مكاننا تماماً كما تخيلناه، و أبت إلا أن تُدفن انت فيه حتى يكون مثواك للأبد.

ثم أكملت إزاحة كل الغبار من على الشاهد و نظمت المكان حوله بمنتهى الهمة على الرغم من أثر السنون عليها و التي لم تزدها إلا بهاء و تألقاً و كأن حولها هالة تشع ضياء على كل ما حولها و تحفظ عليها رونقها كما هو.

و قبل أن تغادر مالت للمرة الأخيرة على شاهد القبر قائلة: موعدنا القادم كما هو لن يتغير .. في ذكرانا التي اخترناها لأنفسنا لتكون يومنا الخاص.

ثم ربتت على القبر و هي تبتسم ابتسامة عريضة هامسة: لقد منحتني استثناء خاص دون بنات حواء على مر الزمان ..

لقد منحتني تلك المشاعر التي خُطَّت لأجلها الأساطير و تُكتَب لها الروايات.