نميل دوما لإعمال قانون الصدفة في حياتنا فتجدنا نعلق دوما على تعرفنا على شخص متميز أو تلاقينا مع صديق قديم أو حتى عثورنا على شيء نريده بعد بحث طويل بأنه تم عن طريق الصدفة.
مقومات لفظ الصدفة متعددة لدينا وبدون أن نشعر نقوي و ننمي الإعتماد على قانون الصدفة في حياتنا مع أنها كلمة دخيلة علينا و المفترض ألا نؤمن بها حيث يخبرنا ربنا عز و جل في كتابه العزيز "إنا كل شئ خلقناه بقدر" و هكذا يجب على كل مؤمن أن يتيقن من أن كل شئ قد قدره الله سبحانه و تعالى بسابق علمه و لا مجال للمصادفات أو الأحداث الغير مرتب لحدوثها.
ربما يقول البعض أن الصدفة هنا المقصود بها وقوع حدث غير مرتب له عن طريق الإنسان نفسه لذلك فهي صدفة للإنسان ولكنها ليست لله بطبيعة الحال،و لكن الرد البسيط و المباشر أن هناك مسمى نستخدمه كثيرا و لا نلتفت لمعناه مع أنه يحسم هذه النقطة و هو القضاء و القدر.
القضاء هو ما قضاه الله في كتابه بسابق علمه عن كل المخلوقات فهو يعلم كل لفتة من حياة كل مخلوق، أما القدر فهو حدوث هذا القضاء و تحوله لواقع مؤثر في حياة المخلوقات يتفق مع سابق علم الله، لذا فلا معنى لمصطلح الصدفة تحت أي ظرف و من أبسط طرق تعويد النفس هو إحلال كلمة قدراً بدلاً عن كلمة صدفة ... فنقول التقيت فلاناً قدراً أو وجدت ما كنت أبحث عنه قدراً ... و هكذا، فهناك العديد من الكلمات و الألفاظ التي تخالف عقيدتنا و نحن لا نلتفت إليها و نتعامل معها ببساطة.
حبيت أعمل موضوع أقول فيه إن لسه عندي أمل في مصر برغم كل شيء .. لقيت الغنوة دي قدام عنيا
الكلمات: عبد الرحمن الأبنودي .... الألحان: بليغ حمدي .... غناء: عبد الحليم حافظ
عدّى النهار .. و المغربية جايّة
تتخفّى ورا ضهر الشجر
و عشان نتوه في السكة
شالِت من ليالينا القمر
و بلدنا ع الترعة بتغسل شعرها
جانا نهار مقدرش يدفع مهرها
يا هل ترى الليل الحزين
أبو النجوم الدبلانين
أبو الغناوي المجروحين
يقدر ينسّيها الصباح
أبو شمس بترش الحنين؟
أبداً .. بلدنا ليل نهار
بتحب موّال النهار
لما يعدّي في الدروب
و يغنّي قدّام كل دار
و الليل يلف ورا السواقي
زي ما يلف الزمان .. و على النغم
تحلم بلدنا بالسنابل و الكيزان
تحلم ببكرة .. و اللي هايجيبه معاه
تنده عليه في الضلمة و بتسمع نداه
تصحى له من قبل الأدان
تروح تقابله في الغيطان
في المتاجر .. و المصانع .. و المعامل .. و المدارس .. و الساحات
طالعة له صحبة .. جنود
طالعة له رجال .. أطفال .. بنات
كل الدروب واخدة بلدنا للنهار
و احنا بلدنا ليل نهار
بتحب موال النهار
لما يعدي في الدروب
و يغني قدّام كل دار
اللي يحب يسمعها دي وصلة ينزل منها الأغنية: http://www.zshare.net/download/19608008cda6c898/
أصبحت زيارات العمل التي يقوم بها للشركة التي تعمل بها فرصة ليشبع انبهاره بها، لقد كانت هي تجسيداً لكل ما حلم دوما به كصفات تأسره ولا يستطيع مقاومتها، مرح وانطلاق .. استقلالية و عملية .. أنوثة و رقة .. خفة دم وروح ساخرة.
كان يشعر بتطابق معها في العديد من الطباع بينما كانت تتفرد بصفات وطباع أخرى يشعر بأنها خلقت لها، كان الوقت الذي يقضيانه معا لإنهاء العمل المشترك يمر كالريح ويزيد من تعلقه بها في نفس الوقت.
ظروف العمل أتاحت له الفرصة حتى يتحادثا طويلاً بالهاتف، بمرور الوقت بدأت هي أيضا تشعر باختلافه عن الآخرين و تجتاحها الرغبة في الحديث معه طويلاً إلى حد اختلاق أسباب واهية للإتصال به. كانت كل مكالمة بينهما تزيد من التقارب الذي بدأ يتسلل بصورة خفية اليهما حتى اكتشفا فجأة أنه لايمر يوم دون أن يتحادثا طويلاً دون أن يحتاجا لتبرير الإتصال.
لم يتردد طويلاً حتى طلب منها لقاء بعد وقت العمل حتى تتاح لهما فرصة الحديث بحرية بعيدا عن أجواء العمل، وافقت بلا تردد. لقاؤهما الأول كان هو بطله الوحيد حيث أصرت هي على الإستماع لتتعرف عليه بصورة أفضل، ثاني اللقاءات تبادلا الأدوار و بدأ يلاحظ الإختلافات الشاسعة بينهما في كل شئ، والعجيب أنه بالرغم من تلك الإختلافات إلا أن طبيعة شخصياتهما تكاد تتطابق، كاد يجن من هذا التناقض الغريب.
فمن ناحية كان الإختلاف في طريقة معالجة الأمور و التعامل مع الناس و التفكير و كل شيء خارجي كان واضحاً جداً و لكن في نفس الوقت و بطبيعته الحساسة اكتشف أنهما داخلياً توأم سيامي متطابق و لكن اختلاف البيئة المحيطة و التنشئة جعلا كل منهما يسلط طريق مختلف في الحياة.
كانت هي متمردة على كل شيء، متنمرة ، تعشق التميز على حساب أي شيء و كل شيء، كانت أنثى حقيقية و تعلم هذا ، ولكنها وأدت أنوثتها في شقها العاطفي لأنها علمت أن هناك طريقان أمامها: الأول أنوثتها و حياتها الطبيعية بتطوراتها المختلفة و المتدرجة و الثاني هو طريق العمل -وحده- . و قد اختارت طريق العمل لأنها تملك مشروعها الخاص و هي تريد تحقيق ذاتها و تتميز في عملها الذي تحبه و تعلم أن حياتها العاطفية و استقرارها سيتعارضان مع استحواذ العمل على كل كيانه، واضعة نصب عينيها نموذج عمها الذي ضحى بزواجه المستقر و الناجح من المرأة الوحيدة التي أحبها مقابل نجاحه في تكوين سلسلة صيدليات شهيرة تحمل اسمه وكانت تخبره بهذه المعلومات بمنتهى البساطة كأنه أمر مسلم به و مآله إلى الحدوث لامحالة.
و في الوقت ذاته كان هو يمثل لها نقطة إبهار بما تحمل شخصيته من شهامة و رجولة حقيقية اعترفت له بها و اسلوب لا تعرف كيف يصل به اليها و يجعلها تفعل ما يريده على الرغم من عنادها الطبيعي و عدم خضوعها لأي رأي آخر حتى أنها سألته يوما : هل سحرت لي حتى تجعلني معك هكذا؟
كان هذا بالإضافة لميل الى التدين و فروسية في التعامل تفتقدها هي و لا مجال لها في حياتها الصاخبة، هذه الطباع جعلتها تحاول الوصول لنقطة يتلاقيان فيها حتى يتحول انجذابهما الشديد تجاه بعضهما إلى علاقة هادئة تتيح لهما التفكر في وضعهما و تقييم فرص استمرارهما سويا.
شاركها الرأي و حاول كل منهما على مدار شهور طويلة أن يكيف نفسه مع الطرف الآخر و كان أشد ما يقرب منهما هو انبهار كل منهما بالنموذج المختلف الذي يقدمه الآخر له، و الحقيقة أنها بذلت أقصى ما في وسعها للتقرب من عالمه و محاولة الإبتعاد عن عالمها الصاخب و هو حاول الإقتراب من عالمها قليلا حتى لا تكون الهوة واسعة بينهما.
مرت شهور و المحاولات متصلة من الجانبين و لكن الطبيعة المتمردة الرافضة لقيود الإرتباط كانت أقوى بداخلها من قدرتها على التغيير، خاصة أنه وحده كان يمثل لها عالم بينما دنياها كلها تدور في عالم آخر و التردد حسمته طبيعته الغير متوائمة مع طبيعة عملها و حياتها و رفضه لسلوك طريقها في الحياة.
و جاء المسمار الأخير في النعش عندما تلقيا دعوة من صديق عمره لقضاء بعض الوقت مع الصديق و بعض أفراد عائلته من الفتيات الملتزمات في محاولة لجعلها ترى أن هناك من يستطيع التمتع بوقته و يمرح و في نفس الوقت يكون نمط حياته يميل للهدوء، ولكنها أحست معهم أنها تنتمي لعالم مختلف عنهم و لا تستطيع أن تعيش حياة هادئة كالحياة التي يحاول جذبها اليها.
صارحته بتفكيرها و قالت له أنها لا ترى طريقا مشتركا بينهما و أنه بينما ينتمي هو لفئة القطارات المهيأة للسير على قضبان تحدد لها طريقها و اتجاهها فهي تصنف نفسها كطير حر طليق، لا يعترف بأي قيود أو اتجاهات أو قواعد معينة و لا تحكمه إلا رغبته و ميوله اللحظية.
أحس وقتها بشيء واحد فقط .. أنه تسرع في محاولة تغييرها و فرض نمط حياته عليها، و أنه أراد أن يغيرها هو بينما كان الصحيح أن يعطيها الفرصة هي حتى تدفعها مشاعرها و رغبتها نحوه في التغيير عن اقتناع و بدون ضغط خارجي منه.
تنهد و هو يرد عليها سائلاً: هل هذا هو قرارك الأخير؟؟
أجابته بأنها فكرت كثيراً و رأت أنها غير قادرة على الإنضمام لعالمه و في نفس الوقت لا تستطيع ظلمه بمحاولة ضمه إلى عالمها الذي تعلم أن رجولته و كبرياؤه سيأبيان عليه أن يستمر فيه من أجلها، و أن تفكيرها هذا لصالحهما معا.
قال لها أنه على الرغم من إدراكه من البداية لكل هذا إلا أنه لم يفقد الأمل يوما في الإتفاق بينهما فقالت له أن هذا عامل قوي من عوامل قرارها هذا لأنها أدركت مدى الضغط الذي يضع نفسه فيه حتى يصل بهما لمنطقة وسطى بينهما و هو ما فشلت هي في مجاراته فيه.
قال لها: كنت أراهن نفسي أنني سأنجح في مسعاي، فأجابته في حزن: و أنا كنت أتمنى أن ينجح مشروعنا سوياً ولكني لم أستطع الإستمرار، ثم برقت عيناها و هي تستطرد: لم أستطع الحياة مقيدة و أمامي العالم بأسره لأنطلق فيه بحرية، لم أقدر أن أعمي عيني عن آفاق رحبة أستطيع أن أجوبها كما أشاء.
نظر مليا لعينيها للمرة الأخيرة و هو يقول لها: لن أنساك.
أبحرت في عينيه العميقتين و هي تقول: ستكون دوما معي لأنك وحدك من يربطني بالأرض.

