Thursday, December 23, 2021

التواضع ما بين الطبع و الرياء

 الفارق الحقيقي بين المتواضع حقاً و بين المتواضع رياء و سُمعَة، هو أن الأول يعترف بفضل الناس عليه و لا يخجل من إظهار إعجابه بفكر و كتابات أحد و قول أن فلان علمه و فلان له فضل عليه و هكذا ...

أما الآخر فهو يستميت بشتى السبل حتى لا يُظهِر للناس من يتعلم منهم و يتفنن في إظهار أنه صاحب رؤية مستقلة و أنه عانى عصامياً حتى وصل لما هو عليه و لكنه يفعل ذلك بطريقة ذكية يستنطق بها من حوله حتى لا يقولها بنفسه فتُعَد غروراً ..


و لا مانع أبداً أن يذكر وسط كلامه أن هناك من تنبأ له بذلك من قبل و أن هناك من قال له أن الشواهد كلها تدل على أن له مستقبلا هائلاً ينتظره لرجاحة فكره الظاهرة ..


اللعب على نفسيات الناس بالكلام غير المباشر و زرع الفكرة بداخلهم لجعلهم ينطقون بها دونه لإرضاء الذات و في نفس الوقت إظهار تواضع مصطنع و تقليل مائع من حجم الذات ما هي إلا وسائل يستخدمها ذوي النفوس الناقصة للمزيد من اجتذاب الناس حولهم و التظاهر بالتواضع و البساطة و هما براء منهم.

Wednesday, December 22, 2021

المُعلَّم ذاتيًا

 من المواضيع الشائكة و التي ترددت في الكلام عنها فترة طويلة لحساسيتها هي مسألة احتكار الصواب بالنسبة لمن يملكون منظومة فكرية خاصة بهم وصلوا اليها بعد قراءات و لم يتعلموا على يد خبراء في المجال "مع القراءة".


سواء ناس عادية يحبون القراءة أو طلاب علم شرعي أو حتى متخصصين في علوم معينة بنوا قناعاتهم و أفكارهم على قراءات و تجارب ذاتية فقط.

و منهم من جرب التتلمذ على يد خبراء و لكن وجد فكره لا يتفق معهم ففضل الإستقلال بفكره و نفسه و عدم استكمال المشوار.

مع أن و إن اختلفت النتائج و لكن المبادئ واحدة، و تربية طريقة التفكير و النظر في الأمور و كيفية تقبل و استيعاب الآخرين و ان اختلفوا مهم جداً لتكوين الشخصية الموسوعية التي يستطيع الإعتماد عليها و الثقة في حكمها على الأمور و الأشخاص و العوارض.

الإمام أبو حنيفة كان أفضل تلاميذه أبو يوسف و قد مدحه الإمام في غيابه فوصل لأبي يوسف المديح و بدافع العُجب استقل عن حلقة الإمام بحلقة علم منفصلة.

عندما بلغ الإمام الموقف ارسل بمسألة فقهية قوية مع أحد الأفراد و أبلغه أن يخبره بأنه مخطئ في الإجابتين اللتين سيخبره بهما و قد فعل.

شعر أبو يوسف بأن الإمام وراء هذه المسألة فذهب اليه و سأله فوضح له انه لابد من توافر شرط معين في كلا الحالتين لتكون الإجابة صحيحة و لا يصلح تعميم الإجابة بإطلاق.

وقتها ادرك أبو يوسف الرسالة و رجع إلى حلقة علم الإمام.

الشافعي تتلمذ على يد مالك و احمد تتلمذ على يد الشافعي و لم يمنع ذلك أن يستقل كل منهم بمذهبه الفقهي عن أستاذه و لكن بعد ان أخذ عنه العلم و الدب و الفكر الذي يجعله في وضع يتيح له مقام الإجتهاد.

الشافعي مذهبه مختلف عن مذهب أبي حنيفة في نواح فقهية كثيرة و لم يمنعه ذلك أن يقول:

"كل الناس عيال على أبي حنيفة في الفقه" و قد صدق.

المشكلة مع المدرسة الذاتية في تكوين الفكر أنها صحيح تعطي الكثير من العلم و البيانات و لكنها لا تُعلِّم كيفية ادارتها و لا التعامل مع الفهم المخالف لها.

لا أريد أن يبدو كلامي أنني اتهم "كل" أهل هذه المدرسة بانهم لا يقبلون الآخر .. فالعديدين يقبلون مبدأ الإختلاف و عندهم رحابة صدر أن يناقشوا طويلاً الأفكار، المشكلة الحقيقية أنهم يفعلون ذلك و في مرجعيتهم أنهم على الحق و الصواب و أن المهمة هي إثبات صحة ما وصلوا اليه بدافع القناعة بذلك و ليس الجدال للجدال.

المتعلم/القاريء/المفكر ذاتياً يعيبه الإعتزاز الفائق بما وصل اليه نتيجة المجهود الذي بذله في البحث و القراءة و المقارنة، و هو لا يدرك أنه غالباً دون أن يدرك قد اعتمد منظور واحد و طريقة معينة في التفكير و الإدراك و تغاضى عن غيرها.

هذا الإعتزاز الزائد بالذات يمنع صاحبه أن يكون اكثر شمولية في التفكير و لا يستطيع رؤية أكثر من زاوية للأمر فتصير نظرته ذاتية و بما يتوافق مع هواه و فكره الشخصي.

و عندما يتصدى هذا الشخص لنقاشات علنية أو تكون عنده مساحة للتأثير على الآخرين فيكون من حيث لا يدري مسمار في نعش التنوع الفكري و النظرة الإستيعابية المطلوبة لمن يتصدى للشأن العام و عنده نافذة يعرض فيها أفكاره.

ما يميز التتلمذ المتباين على أساتذة مختلفين و ألا يكون التحصيل العلمي "اياً كان مجاله" ذاتي هو توسيع قماشة التفكير نفسه و التعرض للعديد من وجهات النظر و زوايا الرؤية بحيث يتكامل المنظور عند المتلقي و يخرج بافضل نتيجة من الجميع.

هذا غير التأديب الذي يمارسه المعلم حتى لا ينجرف المتلقي في الذاتية أو منطقة الراحة الفكرية/العاطفية لديه في تكوين شخصيته و هذا ما كان يميز العلماء قديماً في شتى مجالات التخصص .. الموسوعية و الشمولية في العلم و الفكر و الرؤية حتى و إن "بطبيعة الحال" تبنوا أحدها دون الآخرين ... أما حديثاً فقد صار الأمر أنوي و ذاتي بشكل يجعلني اتشكك كثيراً في كل ما يُقال و استمر في البحث و السعي للوصول لمناظير و زوايا أخرى تتيح لي أن أرى الحقيقة كاملة.

كلنا في النهاية يصل إلى ميل تجاه شيء معين عن غيره و لا يوجد كبشر لدينا حياد كامل في كل المجالات.

لكن أن يتقبل الشخص أنه مخطئ في أمر و يستوعب أن غيره عنده نظره أكثر شمولية و زاوية رؤية أعرض تتيح له رؤية الصورة بشكل أفضل فهذا عسير جداً مع أبناء مدرسة التعلم الذاتي.

و هنا المشكلة الأخطر.

Tuesday, January 5, 2021

الرسائل الخفية في الفن

 ترند هاني "تامر حبيب في ذاته" آخره يومين و يقع ... بس هل حد فكَّر وسط التريقة عليه في الرسالة الضمنية الموجهة للنساء عامة و النسويات المستقلات خاصة؟

لما اتقدم فيلم نهر الحب سنة 1960 بطولة زكي رستم "الباشا جاف المشاعر" و فاتن حمامة "الزوجة الرومانسية" و عمر الشريف "ينبوع الرومانسية و الحنان" الناس لحد النهاردة انقسمت بين تأييد الرومانسية و الحنان و بالتالي تبرير البحث عنهم و اعتبار جفاف المشاعر مبرر كاف للبحث عن الحنان خارج المنظومة الشرعية و القانونية أو على الأقل تبرير و تعاطف مع من وقعوا في هذه الرذيلة؛ و ما بين المحافظين أو من يرفضوا اللجوء لهذا المسلك بغض النظر عن الدوافع.

لكن ما زرعه هذا الفيلم على مدار العقود المتتالية في نفوس النساء هو التعاطف الشديد مع نوال و خالد و الحنق على طاهر و بالتالي صار تفهم فعل أي نوال مع أي خالد أمر عاطفياً مقبول جداً و مُرحب به و مُبرر حتى و إن لم تمارسه المرأة بنفسها.

و من هنا تأتي خطورة ترند هاني و ما زرعه هذا الموقف المبتذل من فكرة ستثمر و سريعاً لأن على الأرض هناك فئات موجود عندها هذا السلوك فعلياً و باقي الإنتشار لا أكثر.

الرسائل الإعلامية لا يجب اغفال خطورتها و لا التهوين من شأنها و المساعدة في نشرها حتى من باب السخرية و النقد لأن هناك فئات مستهدفة ستصلها الرسالة الأصلية دون المرور على النقد و السخرية.