Thursday, January 12, 2023

الجد

المكان: حلوان – شارع جعفر باشا متفرع من شارع زكي – حلوان الشرقية 

الوقت: بعد العصر في يوم صيفي الزمان: حول منتصف الثمانينيات من القرن العشرين 

الحدث: كنت أمام فرن للخبز البلدي لأشتري للمنزل كما عودتني أمي في أمر الاعتماد عليّ في إحضار بعض احتياجات المنزل منذ صغري. كان الطابور طويلاً و شعرت بالملل من الوقوف الطويل بدون حركة و أنا كأي طفل لا يزيد عمره عن العشر سنوات أرغب في المزيد من الحركة، و كانت هناك شجرة ملاصقة للمخبز، كبيرة وارفة الأغصان كثيرتها و تتمتع أغصانها بالقوة و السُمك. و بحكم نشأتي في عمارة المقاولون العرب و التي لها حديقة بها شجرة أخرى كبيرة قد تعودت على تسلق الأشجار للعب، و عندما رأيت الشجرة بجوار المخبز و الطابور المُمل الطويل لم أستطع مقاومة تسلق الشجرة لتمضية الوقت في اللعب عليها بعيداً عن الطابور. 

و لا أذكر في الحقيقة أكانت أول مرة لي في التسلق أم عندما تكرر الأمر عدة مرات أن وجدت عند نزولي منها من يناديني: "طرزان"، فالتفت لأجده هو من يناديني، رجل طويل أميل للنحافة، أبيض البشرة مشرب بحُمرَة، أبيض الشعر ناعمه و قد خط الزمن على وجهه و يديه تجاعيد عميقة و نمش يناقض لون بشرته، عيناه زرقاوان صافيتان و وجهه يحمل وسامة لم ينجح الزمن في إخفائها. سنه وقتها لربما جاوز السبعين بسنوات، و لكن الحيوية كانت تنبض في عروقه، ابراهيم كان اسمه و "الجد" كان لقبه، كان يعمل في ورشة حدادة على الجهة المُقابلة للمخبز و كان كل من يعملون معه ينادونه ب "يا جِدّ". 

ناداني "الجد" و قال لي: نعم أعنيك أنت. فلما ذهبت اليه قال لي: هل تعرف طرزان؟ فلما أجبته بلا قال لي أنه يحب "التنطيط" مثلي على الأشجار و ما أن عَلِم أنني أحب القراءة قال أنه سيُحضِر لي غداً معه قصة من قصص طرزان لأقرأها لأنها مليئة بالمغامرات الشيقة و ستعجبني. و قد عرض عليّ أن انتظر دوري في الطابور معه في ورشته و أن أشاهده و هو يعمل في هذه الأثناء و في هذه الأثناء كان يُحدثني عن طرزان و مغامراته الشيقة في الغابة و أنا منجذب اليه و قد نسيت الشجرة. و بالفعل كانت القصة المكتوبة و ليست المصورة في انتظاري المرة القادمة و أعتقد أنها كانت خطوة ذكية منه لأن القصة المكتوبة ستأخذ وقتاً أطول في القراءة مما سيُبعدني عن الشجرة و التقافز عليها و تسلقها. 

شدت القصة انتباهي حتى أتى دوري في الطابور فاستأذنته في أن آخذها معي للمنزل و آتيه بها غداً، و بالفعل انكببت عليها حتى أنهيتها و ذهبت اليه لأجده قد أحضر لي أخرى حتى لا يدع لي فرصة للتفكير في تسلق الشجرة. و كنت لا أُمضي الوقت فقط في القراءة و لكني أحياناً أشاهده و هو يعمل و أحياناً يحادثني و يحكي لي أقاصيص مختلفة لتمضية الوقت. نمت بيننا علاقة زادت قوتها مع الوقت حتى صرت أزوره تقريباً في كل مرة أذهب فيها إلى السوق أو إلى المخبز و كان لصنيعه معي أثران: الأول هو البدء في انتقال حبي للقراءة من المصورة إلى المكتوبة بالكامل، و الثاني هو البدء في الالتفات بصورة جدية للأدب العالمي المكتوب و القفز على سلم القراءة درجات تأخذ أعواماً من غيري للوصول اليها، كل هذا و أنا لم أُتم العاشرة من عمري بعد. رحم الله الجد ابراهيم و غفر له و أثابه عني كل خير.

Monday, January 2, 2023

أبو البنات

لاحظت شيء لافت للنظر بقالي فترة و ما حبتش اتكلم عنه إلا لما اتأكد منه بتجارب متعددة على مستويات فكرية و اجتماعية متباينة.
 
الراجل اللي بيبقى عنده بنات عادة بيتعامل بحساسية زائدة مع مواضيع انتقاد الأعراف و القوانين الإجتماعية المجحفة للرجل حاليًا في الزواج و الطلاق و القائمة و الخلع و ما شابه
خاصة القائمة!
 
باحسها نقطة حيوية جدًا في تفكيرهم و بتمثل لهم عائق في الإقرار بكارثيتها و تحولها في غالب الأحوال لوسيلة قهر للزوج و طبعًا ده تحت مسمى حفظ حق البنت و اعتبار العُرف.
 
صحيح فيه رجال في العقدين الخامس و السادس من أعمارهم "اربعينات و خمسينات' تزوجوا بقائمة و أن الظروف الإجتماعية وقت زواجهم كانت مختلفة و أن وجود قائمة لم يؤثر على استمرار الحياة الزوجية أو التعامل مع الإنفصال بإنصاف. 
 
و صحيح إن فيه قصص مرعبة لذكور تخلوا عن رجولتهم و كانوا قذرين في تعاملهم مع زوجاتهم/طليقاتهم و لكن ده مش مبرر إنهم يرفضوا إن الراجل يدفع مهر و يتحمل مصاريف الزواج و التأثيث و التجهيز بما يتفق مع إمكانياته و ما يمضيش قائمة.
 
أنا مش باتكلم عن المشاركة في التجهيز لأن ده بيضعف موقف العريس في مطالبته بعدم كتابة قائمة، و لكني باتكلم عن إن الراجل يتكلف كل شيء برغبته و مع ذلك يتم رفض طلبه بعدم كتابة القائمة.
 
و المصيبة إن القائمة تعدت من زمان في غالب الأحوال كتابة ما تكلفه أهل الزوجة و وصل لكتابة ما لم و لن يتم شراؤه بالإضافة لذهب بوزن قاصم بدون شراؤه فعليًا بالإضافة للمأساة الرئيسة و هي كتابة الأثاث الخشبي المُستهلَك بطبعه و الذي تستخدمه الزوجة و الضيوف و الأهل و الضيوف و المجتمع و الناس.
 
لازم يكون فيه وقفة حقيقية لمحاولة التوفيق بين الرغبة في حفظ حق البنت "إن وُجِد" و ما بين تحويل الرجل لكيان فاقد القوامة و الكرامة و لا قِبَل له بمواجهة مزاجية امرأة او تعاطف ذكور أهلها من باب النصرة بغض النظر عن مكان الحق.

اختلاف المفاهيم

 اختلاف المفاهيم -تقبل وجود الإختلاف و اعتبار تباين المنظور-

 
من طبيعة خلق الله للبشر انهم مختلفين في الخِلقَة و الخُلُق و الفِهم، و من طبيعة البشر أن يعتز الفرد برأيه و معتقده و نظرته للأمور و لهذا أسباب نفسية كثيرة ليس هنا محل طرحها.
 
لهذا كان المثل الشعبي دقيقًا حينما قال:
"لما ربنا وزع الأرزاق ما حدش عجبه رزقه، و لما وزع الأدمغة كل واحد عجبته دماغه"
 
من هنا نتفهم أن يعتز كل منا برؤيته و نظرته لما يحدث معه في حياته من تجارب و علاقات و لما يُعرَض عليه من أفكار و معتقدات.
و لذلك فالتباين في الأذواق و القبول لكل شيء نسبي و مُتفَهَم بداية من الدين و حتى الطعام و مرورًا بالثقافة و الفِكر و الأدب و الفنون.
 
و لذا كان المعنى اللغوي للفقه هو الفِهم و ذلك لأن فهم النصوص المقدسة نفسها يدخل فيه عوامل متعددة تؤثر على الرؤية و الحُكم، منها اللغة و اللهجة المحلية للغة و الظروف الإجتماعية و النفسية و الفكرية السائدة.
 
المشكلة الكبرى تكمن في توحد غالب البشر مع منظورهم الخاص للأمور و مفهومهم الخاص لما يُعرض عليهم أو يخرج منهم و منها الألفاظ و الكلمات.
 
فمنهم من يفهم كلمة كإهانة و منهم من يراها ذاتها توجيه أو رأي، و غالب الناس يقول او يكتب كلام بمفهومه هو و من واقع نظرته او خبرته او بما يدور بداخل عقله من أفكار و هو ما لا يطِّلع عليه أحد إلا الله، ثم يتعجب أن يجد أحيانًا من فهم كلامه على غير قصده سواء لعدم وضوح الكلام أو لاحتمال الكلام لأكثر من معنى أو حتى لمجرد اختلاف زاوية الرؤية للأمر.
 
و الأنكى هو قصر الرؤية أو المنظور على زاوية خاصة تُمثِّل الخلفية الثقافية/الإجتماعية/الفكرية/اللغوية للمتحدث و عدم تقبل أن يرى آخرون الكلام من زاوية مغايرة نتيجة اختلاف المفاهيم و المنطلقات، ناهيك عن من يرى الأمور بنظرة علوية "ليس المقصود استعلاء و إنما من أعلى" فيغطي زاوية رؤية أوسع و أشمل.
 
و هنا ليس من المنطقي أن نطالب بتوحيد الرؤى أو اعتناق الكل لمفاهيم مغايرة بمجرد معرفتها أو حتى مطلقًا، و إنما أن يتقبل الناس فكرة وجود مفهوم مغاير أو زاوية أخرى للرؤية أو منظور أوسع يشمل زوايا متعددة تُعطي في النهاية رؤية أكثر ثراء.
و تقبل وجود مفاهيم مختلفة لا يجب أن يكون في إطار "أنت حر مالم تضر" أو "كل واحد براحته" و إنما يجب أن يكون هناك استغلال لمنحة العقل الممنوح لنا للتفكير و النظر و احتواء الآراء المختلفة و التدبر فيها للوصول للصواب و ليس لمحاولة الوصول لما يوافق ما يراه المرء صواب.
 
النقاشات و الحوار لو لغرض تمضية الوقت و قضاء بعض الوقت في تبادل الآراء ثم يرحل كل طرف بما جاء به مما هو فوقتها هذا عبث و قتل للوقت و هدر طاقة فيما لا يُفيد.
و دخول حوار أو نقاش يكون الأساس فيه هو براعة الجدال و القدرة على قصف الجبهة و سماع المواجه بهدف تجهيز رد مُفحِم له عدمه أفضل لأن من حصافة و مروءة الفرد أن يكون الحق مبتغاه و لو جاء مغاير لما يراه أو يحبه أو يعتقده.
 
في النهاية:
أن يتعجب أحدهم أن يرى الآخرون غير ما يراه و لا يفهمون نفس فهمه و يرى أنه من الغريب أن يرى آخر غير ما يراه هو أو يفهم من كلامه غير ما يقصده هو أو غير ما يدور بعقله هو بسبب اختلاف المفاهيم، و مصادرة الصواب لصالح عقله وحده و ما يدور فيه لهو أكبر دليل على تغلغل الفردية و الأنوية و الغرور في فكر صاحبه مهما بلغ من علم أو ثقافة.