Monday, September 3, 2007

ربيع العمر

كنت في طريقي لإنجاز مهمة خاصة بالعمل واستقللت مترو الأنفاق، وفي طريقي للرصيف رأيت مشهداً أثار شجون عديدة بداخلي، فقد شاهدت رجل في الستينات أو السبعينات من عمره ... أي في المرحلة العمرية المصطلح على تسميتها بخريف العمر رأيته وهو يمشي ببطء متكئا على عكازه و يسير ببطء شديد ينبئ عن حالته الصحية الحالية وهو يحمل حقيبة بلاستيكية منتفخة تقول بأنه كان يشتري بعض حوائجه.

و لفت انتباهي نظرة الإصرار والتحدي في عينيه والتي تشف عن عزيمة قوية يتمتع بها هذا الرجل، وأكد لي هذا الشعور مشيته التي يحاول فيها السير بظهر مفرود وقامة مشدودة وتساءلت بيني وبين نفسي عن السبب الذي يجعله وهو في حالته هذه أن يقطع مشوار بالتأكيد طويل ويصعب عليه إنجازه مع مشيته شديدة البطء.

فهو من ناحية بسيط المظهر مما يدل على انعدام الفرصة في توفير من يعفيه من مشقة عناء إنجاز مشواره و أيضا سنه الذي يرجح أن يكون أبناؤه في حالة وجودهم مشغولون بحياتهم الخاصة وغير متفرغين لرعايته والاعتناء بشئونه ومن ناحية أخرى استقلاله لمترو الأنفاق مما يجعل الاحتمال قوي بأنه يقطع مشوار طويل يحتاج لهذه الوسيلة لإنجازه.

أثار هذا المشهد بداخلي بعض الأفكار حول هذه المرحلة وما يحتاجه هؤلاء المسنين من رعاية وتوفير سبل مناسبة لهم في قضاء حوائجهم، فمثلا ارتفاع بردورات الأرصفة والتي تمثل عذاب مقيم لهم عند الصعود أو الهبوط من على الرصيف، أيضا ارتفاع درجات السلالم التي ترهق الصحيح والعفي فما بالنا بهؤلاء المسنين.

الأمثلة عديدة ولكن الطامة الكبرى هي أسلوب تعامل الناس معهم كأنهم عالة على المجتمع أو كائنات غريبة لا تستحق منا المعاملة اللائقة لأناس أفنوا حياتهم وصحتهم ليربوا من يهملوهم ويحتقروهم في السن الذي يتوجب أن يتلقوا فيه جائزة التقدير والإجلال والراحة بعد رحلة العمر الطويلة.

فتجدهم في وسائل الموصلات واقفين بينما شباب في كامل صحتهم يجلسون ولا يكلفون خواطرهم حتى بالقيام لهم ومحاولة إجلاسهم، على العكس .... قد يجدون أنفسهم محل تندر و سخرية من بعض الناس لعجزهم عن موازنة أنفسهم أو لبطئهم في الصعود أو الهبوط من الحافلة فيلقي عليهم الناس باللوم للتأخر عن مواعيدهم الثمينة.

الحق أننا نحتاج لوقفة ولمراجعة أنفسنا لنعيد قيم دينية أمرنا بها وأعراف اجتماعية نشأنا عليها ترسخ قيمة تقدير الكبير والعطف عليه في مرحلة هو أول المتضررين منها بسبب ما يعانيه فيها، فمنهم من يصر مثلا على عدم الجلوس عند قيام أحد لهم من باب عزة النفس والشعور بأنهم لا يزالون (بصحتهم)، ومنهم من تجد نظرة ذليلة في عينيه لإحساسه بالعجز واحتياجه لمساعدة الآخرين.

ومنهم من يحاول الإثبات لنفسه قبل الآخرين بأنه لا يزال كما كان والرجل الذي تحدثت عنه خير مثال على هذه النوعية، وهناك نوعية أخرى رأيت نموذج لها قريبا وهو رجل مسن يحمل حقيبتين بلاستيكيتين ثقيلتين لأنه يحمل فيهما مشتريات المنزل لفترة طويلة ويظهر ذلك بسبب كثرة المعلبات بالحقيبتين.

هذا الرجل أرهق من حمل الحقائب وأنزلهما أرضا ليرتاح بعض الوقت ... ثم حمل حقيبة وكان يحاول الإنحناء بصعوبة ليلتقط الأخرى وسط عدم مبالاة المارة ... وعندما حملتها له وناولته إياها أخذ يشكرني ويمطرني بالدعوات وكأني أسديت إليه معروف ضخم. وعلى قدر خجلي من كثرة دعواته وشكره على قدر اندهاشي من رد فعله لأنه يشي بعدم توقعه بأن يمد أحد له يد المساعدة وقد آلمني هذا الشعور بشدة لإحساسي بمدى اللامبالاة التي سادت في مجتمعنا.

موقف ثالث أثر في بشدة وآلمني أنني لم أستطع مد يد المساعدة فيه، حيث كنت مستقلا السيارة في شارع جانبي بين شارعي الهرم وفيصل ومر بجانبي رجل مسن محني الظهر ويحمل حقيبة بها بعض مستلزمات منزلية وطلب مني توصيله لآخر الشارع ولكن للأسف كان طريقي مختلف وكان الشارع مزدحم للغاية بالسيارات فاعتذرت له عن توصيله ولكن تأنيب الضمير لا يزال يلازمني حتى الآن.

الحقيقة أننا لو نظرنا لأوضاع المسنين بنظرة موضوعية لوجدنا أنهم يواجهون الحياة في هذه المرحلة الحساسة من أعمارهم بطريقة لا تتفق وما يجب على المجتمع تقديمه لهم بعد كل ما قدموه في حياتهم .... فمن الإنخفاض المخيف في دخولهم بعد الإحالة على المعاش مما يخفض تلقائيا من مستوى معيشتهم مع أنهم يحتاجون بشدة لكل قرش كانوا يحصلون عليه نظرا لأمراض الشيخوخة التي تداهمهم و التي غالبا ما تلازمهم ما بقى لهم من عمر وتكاليف العلاج والأدوية التي أحيانا تكلف أكثر من المعاش بأكمله.

هذا غير المعاملة الغير ملائمة التي يتلقونها ومن أبسط أوجهها عدم تجهيز الأرصفة ومداخل الأبنية و وسائل المواصلات بما يتلائم مع قدراتهم الصحية الحالية.

أتذكر موقفا لا ينمحي من ذاكرتي لمسنة كانت تحاول الصعود على رصيف مرتفع ولم تستطع مما جعلها تحبو على يديها وقدميها كي تصعد عليه.

موقف أخر لمسنة وكانت رقة الحال بادية عليها قابلتها في مصر الجديدة بشارع الخليفة المأمون وكانت قادمة من القصر الجمهوري حيث حاولت مقابلة الرئيس لتحاول معرفة مصير ابنها المعتقل منذ فترة ولا تعلم عنه شئ، وبالطبع لم تتمكن من مقابلة أي مسئول بالقصر الجمهوري وسارت على قدميها حتى شارع الخليفة المأمون وكان منزلها في مكان بعيد للغاية عن مصر الجديدة و ما جعلني أعرف قصتها هو أنني وجدتها تبكي بالشارع بحرقة لعدم قدرتها على عبور الطريق، و قد رفضت أي مساعدة بخلاف أن أعينها على عبور الطريق و قد كانت تهمهم وسط بكائها بعدم قدرتها على القدوم مرة أخرى لصعوبة المشوار عليها صحيا و لعدم توافر القدرة المالية لديها لتكرار ذلك المشوار مرة أخرى.

الحديث حول هذا الموضوع يطول و يثير شجون كثيرة ... وما حاولت فعله في هذا الموضوع هو إلقاء حجر في المياة الراكدة لعله يلفت الإنتباه حول فئة من هذا المجتمع يتوجب علينا أن نكرمهم ونوفر لهم سبل الراحة و أن نخفض لهم جناح الذل من الرحمة فهم في النهاية آبائنا و أمهاتنا اللذين أفنوا أعمارهم لتنشئتنا وتربيتنا ولتكون هذه الفترة من أعمارهم هي فترة لا يشعرون فيها بأنهم في خريف العمر، بل هو الربيع .... ربيع العمر.

Wednesday, April 25, 2007

بــــــــــــــــــــــــــــدون عنـــــــــــــــــــــــــــــوان

كن دائماً موجود بجانب من يحتاجك ... ساعد كل من حولك وكن أقرب إليه من نفسه .... فهذا واجبك
ولكـــــن
لا تفكر في الاستعانة بأحد ولا تتوقع أن يساندك أحدهم إن احتجت ... فهذا ليس شأنهم .. وإنما هي مشكلتك الخاصة

Friday, April 20, 2007

الصندوق الاستثماري الخيري

تعرض دار الإفتاء المصرية على الشعب المصري الكريم عملَ صندوقٍ استثماريٍّ خيريٍّ للإنفاق من ريعه على مجال الصحة: علاجًا للمرضَى، وتطويرًا للخدمة الصحية، وتوسُّعًا في إنشاء المستشفيات، وتحديثًا للأجهزة الطبية، وتدريبًا للكفاءات المختلفة، وتعليمًا في المجال الطبي والبحث العلمي والدوائي؛ حتى نصل إلى تحقيق العدالة باعتبار الصحة حقًّا أساسيًّا وجزءًا لا يتجزأ من حياة الإنسان وكرامته، وحتى لا نصل إلى مرحلة يختص العلاج فيها بالأغنياء وتختص الرعاية الصحية بالأثرياء؛ فنفقد جميعًا معنًى من معاني الإنسانية ومقوِّمًا من مقومات الاجتماع البشري.
وهذا الصندوق يُعد التبرع فيه علي قسمين:
الأول: كالصدقة الجارية التي يصل ثوابها إلى المتبرع في حياته وبعد مماته، يُحبَسُ أصلُها ويُستَثمَرُ في مجالات شتَّى؛ كالصناعة والزراعة والتجارة والخدمات ونحوها والعائد من ذلك يختص بالمجال الصحي، ونأمل أن يصل المستهدَف الأول إلى مبلغ 5 مليار جنيه مصري.
الثاني: الزكاة، وتصرف فورًا للإنسان وليس للبنيان؛ بما يجعل هذا المشروع له أثره الفوري حتى يرى الناس فوائده.
علمًا بأن هذا المشروع ابتداءً وإنشاءً وإدارةً وتنفيذًا هو عملٌ مدنيٌّ يقوم به المؤسِّسون، ويكون له موقعٌ على شبكة المعلومات الدولية لإتاحة المراقبة عليه من الجمهور، ويتم استخدام ما يلزم لذلك من لوائحَ ونُظُمٍ وقوانينَ من جهات الاختصاص المختلفة إن شاء الله تعالى.
ولَمّا رأت دار الإفتاء المصرية الإقبال الشديد على هذه الفكرة من جمهور الناس والموافقةَ والترحيب من الحكومة باعتباره عملاً مدنيًّا واستعدادَها للمعاونة في إنجاحه، فقد بادرت بفتح حسابات بنكية لتلقي التبرعات الأولية، وكلُّ حساب على قسمين:
الأول : للصدقة الجارية المحبوسة.
والثاني: للزكاة التي تُنفَق فورًا في مجال الصحة.
وهذه الحسابات في البنوك التالية بالأرقام التالية:
-
البنك الأهلي (100100(
-
بنك مصـر (100100)
-
بنك فيصل الإسلامي (100100(
-
المصرف المتحد (100100(
وسيبقَى العملُ في هذا المشروع في غرفة عمل مستقلة حتى قيام الصندوق بمهامّه، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يُنجِحَ هذا السعي، وأن يمتد بعد ذلك إلى خدمة التعليم، والتكافل الاجتماعي، والفنون، والآداب، والبحث العلمي، والرياضة، والمؤسسة الدينية، والأمن الاجتماعي؛ للقضاء على حزام الفقر والجهل والمرض؛ إنه سميع قريب مجيب الدعاء

تحديث: تم تعميم حساب (100100) في كل بنوك مصر لحساب مؤسسة مصر الخير والتي يرأسها فضيلة مفتي الديار المصرية الشيخ علي جمعة "بشخصه".

Monday, April 9, 2007

الاستفتاء على الدستور

عندما انتهى مجلس الشعب من مناقشة بنود ومواد الدستور المرشحة للتعديل أو التغيير وتمت الموافقة المتوقعة على النصوص المقدمة من حزب العزبة الرئاسي انتابني شعور مرير بأن المقولة الخالدة المنسوبة لسعد زغلول هي عين الحقيقة وهي المعٌبر الأوحد عن الوضع السياسي في المحروسة ...... "مافيش فايدة"

أثناء مناقشة المواد أعجبت بانسحاب نواب الإخوان وعلى امتناع بعض الأحزاب عن التصويت ... وأحسست بأنهم يعبرون وبقوة عن موقف رافض للتعديلات الهزلية الممهدة لولي العهد. واتخذت قرار حينها بأنني لن أذهب للاستفتاء ولن أشارك في هذه المسرحية التي رفضت أن أكون كومبارس فيها بعد مهزلة انتخابات الرئاسة والتي شاركت فيها وكان أمل التغيير يراودني حينها.

ولا أقصد تغيير الكبير ... فالكبير كبير ... فقط تغيير منظومة السيطرة والقبضة الحديدية ... قبول مبدأ التعددية وإتاحة الفرصة للشعب كي يبدأ في التعرف على اختراع اسمه التعددية وفكرة خيالية اسمها الديمقراطية وفكرت لبعض الوقت أن الرئيس قد قرر أن تكون منحته للشعب مع آخر فترة رئاسية له " فكرة بلهاء مبنية على أساس السن وناموس الكون" هي أن (يديها كمان حرية) وأن يسجل له التاريخ أنه ختم عهده بأن يستجيب للنداء الدائم للمواطنين في عيد العمال (المنحة يا ريس).

نداء خالد تكرر على مر السنوات التي تابعت فيها خطابات الرئيس في عيد العمال. لا أدري لم كنت أتخيل دائماً أن طلب المنحة ليس مرتبط بمنحة عيد العمال ولكني دائماً كنت أراه نداء للمنحة الأهم المنحة التي اسميها: "الزهرة الحمراء"..... الحرية.

اسم الزهرة الحمراء أطلقته على هذه الكلمة الغالية لأن الحرية بالتأكيد زهرة وعطرها فواح والكل يسعى للحصول عليها... وهي حمراء لأنها لا تنال إلا بالدماء مع الأسف.

كنت ساذج أو لنقل حالم آخر يتمسك بالأمل الواهي. و ما حدث هو أن ترزية القوانين تكفلوا برفي نسيج المواد الدستورية حسب الإرشادات السنية وتحولت هذه المواد لبعبع مخيف للمواطن ... فمثلاً قانون الإرهاب سيجعل من حالة الطوارئ حلم جميل يراود المواطنين و يجعلهم يتمنون رجوعها مرة أخرى ولسان حالهم يقول: " نار الطوارئ ولا جنة قانون الإرهاب".

المهم أنني تمسكت بفكرتي التي اتخذتها مسبقاً بعدم المشاركة في المهزلة ... وفي أثناء حديثي مع والدي حول هذه الموضوع فوجئت منه بوجهة نظر جعلتني أغير أفكاري تماماً ... بل وأتمسك بحقي و لا أتنازل عنه.

قال لي أن ذهاب إلفي مواطن للاستفتاء سيسهل تماماً من مهمة رجال الداخلية بتحويل النتائج أو لنقل تصحيحها لأنهم يتعاملون مع المواطن من منطلق أنه طفل صغير وغض غرير ولا يجب تركه ليفعل ما يشاء ... بل كأولي أمره لابد من تصحيح خطواته ومراجعة أفعاله و تصويبها.... المهم أن مهمة خدمة الوطن والشعب ستكون سهلة في هذه الحالة... بينما لو ذهب مائتي ألف ستكون المهمة أصعب قليلاً... فما بالنا ب 2 مليونان... أو 20 مليون... هل ستكون المهمة حينها يسيرة ؟؟؟؟ بل هل ستكون قابلة للتحقيق أصلاً ؟؟

المسجلين في قوائم الانتخاب على حسابات الحكومة 35 مليون ناخب.... لو ذهب منهم 20 مليون فبالتأكيد لن يستطيعون عمل الانتخابات في يوم واحد ولن يتمكنوا من إظهار النتائج في اليوم التالي مباشرة... والأهم هو صعوبة تزوير 20 مليون صوت.

الصراحة أن هذه الكلمات جعلتني أعيد التفكير في العديد من الأمور التي كنت أتعامل معها بسلبية شديدة... خاصة المتعلقة بهذا البلد... هناك مثل قديم يقول "البيت بيت أبونا والغرب يطردونا" والحق أننا أهل هذه البلد ولو استسلمنا وسلمنا بأنها ليست بلدنا وأنها "بقت بلدهم خلاص" وإن "ما عادش لينا فيها حاجة" .

وما حدث أنني ذهبت للجنة الانتخاب وأدليت بصوتي وصنعت علامة ضخمة وواضحة جداً أمام كلمة لا أوافق و خرجت من اللجنة وأنا شاعر بأنني أرضيت ضميري وصنعت ما اقدر عليه في موقفي هذا.... والنية خالصة لله بأن أستمر على هذا السلوك ... حتى لا يسألني ربي يوم الحساب لم قصرت ؟؟

Sunday, April 8, 2007

الحسنة أيضاً تعم

تتكرر شكوانا يومياً من أخلاق السائقين (مايكروباص – تاكسي – أتوبيس ... الخ), ناهيك عن أخلاق سائقي سيارات النقل. وبالطبع العديد من هذه الشكاوى له أصل من الواقع ولكن ......

سأتعرض هنا لتجارب شخصية خضتها مع بعض السائقين و هذه التجارب لها معاني عدة وأعتقد أنها تحمل رسالة.

قادماً من بورسعيد للقاهرة , استقللت أتوبيس السوبر جيت الشهير لأنه يعتبر أكثر وسائل المواصلات المتاحة راحة. بعد وصولي للقاهرة (رمسيس) وبعد ابتعادي بالتاكسي لمسافة لا بأس بها من الموقف تنبهت لعدم وجود الموبايل معي ... وأدركت أنني نسيته في الأتوبيس, طلبته من موبايل والدي وجدت جرس مع عدم الرد ... مما أعطاني أملاً في ألا يكون قد سرق, نزلت من التاكسي واستقللت غيره متجهاً للموقف طالباً من السائق السرعة للحاق بالأتوبيس قبل أن يغادر الموقف وقصصت عليه ما حدث. فوجئت بالسائق يخرج موبايله الخاص ويطلب مني الاتصال بهاتفي لأطمئن إن كان لا يزال متاحاً أم تم إغلاقه, وبالفعل طلبت الموبايل وظل الجرس فترة طويلة ثم وجدت الخط فتح وتم إغلاقه ثانية بسرعة, طلب مني السائق تكرار المحاولة مرة ثانية ... أعدت المحاولة فوجدت سائق السوبر جيت يجيبني ويخبرني بأن الهاتف معه وأنه ينتظرني بالموقف ولن يغادر حتى أصل.

شكرته وأغلقت الخط وشكرت سائق التاكسي على شهامته... وعند وصولي للموقف طلب سائق التاكسي مبلغ مبالغ فيه مقارنة بالمسافة المقطوعة... فاصلته في السعر فوافق على التخفيض مباشرة وبدون مماطلة أو ذكر للمكالمات التي أجريتها من هاتفه الخاص.

وجدت الأتوبيس في الموقف كما وعدني السائق ووجدته جالساً خلف عجلة القيادة ممسكاً بالهاتف في يده وما أن رآني وعرفته بنفسي حتى أعطاني الهاتف ورفض أن يأخذ أي مكافأة تحت أي مسمى كان وما أقنعني أن رفضه حقيقي أنه رفع يده أمام وجهه ما أن وضعت يدي في جيبي دون أن ينطق بحرف واحد وبنظرة حاسمة من عينيه .. أعدت العرض ولكنه ظل على موقفه. شكرته وانصرفت شاعراً بالفخر أنه لا يزال في بلدي ووسط كل ضغوط الحياة المختلفة يوجد أناس كهؤلاء السائقين لا تزال بداخلهم القيم والمثل التي تمثل معنى الرجولة والشهامة الحقيقي.

قد يقول البعض بأن ما حدث هو الواجب ولكن...

الواقع يقول أن الغالبية العظمى من أهل مصر يوم يعيشون تحت مظلة " صباح الخير و كل سنة وأنت طيب والدخان والعرق والإكرامية... الخ" مما يجعل الاستثناء للأسف هو القاعدة والأمانة وتأدية الواجب هما من باب الأفعال الاستثنائية.

والحقيقة أيضاً أن تأتي هذه التصرفات والأخلاقيات من فئة من المجتمع دائماً يتم النظر اليها بأنها فئة متخلفة وسيئة الطباع ويتم تعميم الحكم عليهم جميعاً فهذا يعتبر جرس تنبيه لنا جميعاً بأن من أكبر الأخطاء التي نقع كلنا فيها هو تعميم الأحكام والعمل بمبدأ الجيش في التعامل مع الناس " الحسنة تخص والسيئة تعم " . فكلنا يتشدق بالحيادية وعدم الخلط بين الأمور ... ولكن ما أن نكون بداخل الموضوع وطرف فيه نجد أن كل أفكار الموضوعية والحياد والدقة والأمانة في الحكم على الناس نجدها قد تلاشت وذهبت أدراج الرياح وحل محلها العصبية وإعمال العاطفة في الأحكام والتصرفات.

في الحقيقة قد يكون الموضوع بسيط ومتكرر... ولكن كما أن عيوننا قد أصبحت حساسة لكل ما هو خاطئ وألسنتنا لا تتوانى عن انتقاد الآخرين فيجب أيضاً أن نشيد بالصواب ونذكره ولا نتعامل معه بمبدأ أنه هو الطبيعي والمفترض فلا نعطيه حقه ... على الأقل حتى نشعر أنه لا يزال هناك خير موجود في هذه الأمة وفي هذا البلد... وأنه لا يزال هناك أمل ...... أمل في غد أفضل.

Sunday, January 7, 2007

بداية ونهاية

التقينا .. فانتابني الشوق فعلام وقد كدت أنسى

كل ما كان بيننا وحق الهوى ألا ُينسى

أجيبيني حبيبتي أتذكرين يوم التقينا

وظللنا الحب بيديه وضممنا الليالي لراحتينا

وسكرنا من لذة الهوى كلما تلاقت شفتينا

والآن .. التقينا من جديد والآن تلاقت عينينا

أنهد الهوى أشواقنا المتلهفات ونقترب فتتلامس كفينا

أم نذوب عشقاَ في البعاد ونفترق .. سريعاً كما التقينا

أجيبيني إذا ما تذكرتني يوماً وحنت نفسك يوماً إليا

أجيبيني .. أتذكرين يوم التقينا ويوم انتهيـــــــــــــــــــنا

أنا قد نسيت الحب من بعدك ولم يعد حبك شيئاً لديا

فكرة أجبني حبيبي لإيمان بكري

Thursday, December 28, 2006

وسقطت أوراق الربيع

في هذا الزمان الصعب يصبح النبل عملة نادرة ووجود النبلاء يصبح أكثر ندرة … وتصبح الحياة بعد رحيلهم عناء يقاسيه من عايشهم و استشعر نبلهم … لذا بعد رحيل أي منهم لا يملأ مكانه في القلب إلا الفراغ ولوعة الفراق .. فللأسف النبلاء لا يستبدلون أو يتكررون , ومع تكرار رحيل هؤلاء النبلاء الفرسان يخلو وجه الأرض من أضواء وأخلاق كانت تزينه وتداري قبحه، فتظهر عيوبه فتظهر عيوبه التي كانت مستترة وراء فروسية أخلاقهم.

وفي مثل هذا الزمان الصعب تصبح حياة هؤلاء النبلاء الفرسان جحيما وعبئا تنوء به كواهلهم .. وثقل تعجز قلوبهم عن تحمله فتتوقف عن النبض يائسة.

من هؤلاء النبلاء كان خالي الراحل .. قاسى كثيرا من الحياة في زمن نادر الفروسية والنبل .. وظل عمره يدور في دوامة الحياة .. يصارعها وتصارعه وفي لحظة تأمل يائسة توقف القلب النبيل عن النبض ليعلن رحيل فارس.

وجاء الرحيل مع استسلام بكل الرضا للقضاء الآتي من لدن العدل المطلق، ولأن الفؤاد سمع نداء الملائكة ترحب به في مكانه وسط النبلاء .. وهكذا رحل راضيا ليلبي نداء ربه ليكون في المكان الذي يستحقه وأمثاله من الفرسان.

خالي العزيز:

لا تجتمع الملائكة والشياطين لذا كان رحيلك المبكر متوقعا.. بعيدا عن الأحزان التي كانت تطل من عينيك في لحظات الصمت .. وبعيدا عن كل من يتصورون خطأ أن الحياة سلسلة من الأخذ بلا عطاء بينما كانت حياتك عطاءً مستمرا.

أيها الغالي المسافر بغير وداع .. انتظرنا نحن من أحببناك و عشقنا صحبتك.

ويا زمن الأحزان الدفينة .. متى ترحل عنا مرارة أيامك؟ .. أو حتى نرحل نحن عنك ليستريح الجميع.

وتبقى كلمة..

إن في الدنيا أناسا تذكرهم لكي تنساهم فورا وأناسا تذكرهم ولا تنساهم فقد ولدوا ليعيشوا..أحياء..أو أموات.

تم النشر في الذكرى الحادية عشرة للوفاة.

Thursday, December 14, 2006

أدب الإختلاف


سأتكلم عن نقطة من أهم النقاط التي تكون في مجموعها ما يطلق عليه أدب الاختلاف هي نقطة احترام الذات !!

وقد يتعجب البعض من الكلمة ويظن أنني أخطأت وأنني كنت أقصد احترام الغير "بمعنى الطرف الآخر من النقاش" ولكن الحقيقة هنا أنني أقصد ما قلته حرفياً ...

فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "ما معناه" : لا يسب أحدكم أباه .. فقالوا وكيف يسب الرجل أباه يا رسول الله فقال يسب أبا الرجل فيسب الرجل أباه ويسب أمه فيسب أمه".

أعتذر إن كان هناك اختلاف عن النص الأصلي ولكني ذكرت "ما معناه" لهذا السبب.

المهم ... المقصود من ذكري لهذا الحديث هو التذكير بأن احترام الإنسان لنفسه هو من احترامه لمن يواجهه.... وعليه فإن عفة اللسان والترفع عن الصغائر وعدم تصيد الأخطاء للغير هو من أسس وقواعد احترام الإنسان لنفسه.. لأنه بهذا يملك قوة كبح جماح نفسه وغضبه .. والإحسان لمن يستطيع الإساءة إليه ... وهذه هي منتهى القوة.

لذا فالقاعدة العامة هي أن الاختلاف في حد ذاته رحمة ونعمة... ولكننا بكفاءة تامة نحوله إلى نقمة .

هل تعلمون أن في الغرب يعتبرون أن هناك مساحة شخصية للفرد لا يصح أن يتعداها من يتحدث معه ..؟؟ وهذه المساحة هي بامتداد الذراع.

وهذا معناه أن اياً منا يجب ان تكون له مساحته الخاصة التي يتحرك بداخلها على حريته ولا يصح أن يتجاوزها او يتعدى عليها أحد. وهذه المساحة سواء فيزيائية كالتي تكلمت عنها أو معنوية كحرية الرأي فهي شيء يجب احترامه وتقديره وعدم التعدي عليه.

كلنا يعتقد أن رأيه صواب ورأي غيره خطأ .. وينسى أن الأئمة كانوا يقولونها بأسلوب يرقى كثيراً بالمعنى "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب"

وهنا الباب مفتوح أو موارب ... لأنهم لا ينكرون النقاش حول أي مسألة .. لأن الغرض دائماً هو إثبات الصحيح ودعمه وليس إظهار صحة وجهة النظر ودحض المنافس.. والإمام مالك قال ما معناه "لو جاءكم كلام بدليل من كتاب الله وسنة رسوله يخالف رأيي فاضربوا بكلامي عرض الحائط"

وهؤلاء هم أئمة الإسلام ..

و الإمام أبو حنيفة عندما جاءه من ينكرون على علي بن أبي طالب قبول التحكيم بينه وبين معاوية قال لهم أنه يؤيد ما فعله سيدنا علي وقال لهم أنا اختلف معكم وانتم تختلفون معي ... فما الحل بيني وبينكم في هذه النقطة .. فأجابوه .. نقبل بحكم بيننا وبينك .. فقال لهم : إذن لم تقبلون التحكيم على أنفسكم وتنكرونه على الإمام علي؟"

والإمام الشافعي غير من فقهه وفتاويه عندما حضر إلى مصر ... ولم يستكبر ... وإنما بتواضع العالم عرف ان ما يناسب أهل العراق لا يناسب أهل مصر "ولم يخالف شريعة ولا سنة سواء هنا أو هناك"

هؤلاء هم الأئمة ... ألا ترون أننا يجب أن نهتدي بهم وبما فعلوه ؟؟؟

أتعلمون أن الإمام الشافعي صلى على قبر الإمام أبو حنيفة عندما زار القبر بطريقة أبي حنيفة وليس بطريقته ؟؟ وذلك احتراماً وإجلالاً لقدر ومقام أبا حنيفة.

ومن هذا يمكننا أن نتعلم أن احترامي لرأي من أمامي وتقديري له سيكون له مردود ايجابي علي أنا شخصياً ..

وليس منا من يستطيع الحكم بأن رأيه هو الصحيح على إطلاقه .. وإنما يستطيع أن يبرهن على صحة وجهة نظره.

وأنا من متابعتي واشتراكي في العديد من مواضيع الاختلاف الدائم والنقاش المحتد أرى أن مشكلتنا هي تشخيص المشكلة.. بمعنى تحويلها من مشكلة علمية إلى مشكلة شخصية .. وبدلاً من الحفاظ على أسلوب علمي راق في الكلام وحتى مع الاختلاف لا ادع الفرصة لنفسي بأن أسفه أو اقلل من شأن من يواجهني ... لأنني بهذا أتيح الفرصة الذهبية له كي يفعل المثل معي .. وعندها لن أشعر بأنني أخطأت في البداية ... بل سأتعجب واستغرب من الذي يواجهني .. وسأرى فقط أنه يهاجمني ولن انظر لنفسي لأرى أنني من بدأ الكلام.

ولكن الحقيقي والأكيد أننا كشرقيين وعرب "وبالمناسبة مصر عربية شرقية وأنا مصري عربي مسلم معتز بلغتي العربية وبإسلامي وبشرقيتي " أقول أننا عاطفيين ونحكم على الأمور بتسرع وعدم روية ... وأقول بكل ثقة أننا لا تزال تحكمنا القبلية والتعصب. وما يحدث في كل حلقات ومنتديات النقاش العربية .. حتى على القنوات الفضائية لهو خير دليل على هذا... وعيبنا أننا نداري على عيوبنا بدلاً من مواجهتها... وبدلاً من أن يواجه كل منا نفسه ويسمح للآخرين بمواجهته "بالذوق والأدب " أقول بدلاً من أن نسمح بهذا بل ونرحب به نجد أن كلاً منا يهاجم كل من يحاول توضيح عيب أو وجه خطأ فينا ونهجم على من كلمنا ... لتتحول المسألة إلى معركة لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالهدف الأصلي للكلام.

رجاء خاص من الجميع أن يحاول كل منا أن ينظر للأمور من زاوية أوسع قليلاً.

هناك من يملك علم غزير ويجتهد للحصول على المزيد .. ويبذل مجهود حقيقي لتطوير نفسه .. ولكن ما أن يلوح في الأفق شبهة اختلاف معه أو رأي مغاير حتى يتبدل الحال ويتحول الكلام إلى ما لا يصح من مثله أن يقوله.. والحق أن العالم هو أجدر الناس بالتواضع و إنكار الذات والموضوعية في المناقشة واستيعاب من يواجهه وليس العكس.

أسهل شيء في الدنيا هو أن تجرح .. ولكن ما أصعب مداواة الجرح ... وأبسط شيء أن أسفه رأي من أمامي .. وأن أحب الإحساس المزيف بالانتصار الذي يعطينه علو صوتي أو التفوه بألفاظ تجبر من يواجهني على السكوت حتى لا يتردى في هاوية الكلام الجارح.... ولكن هل هذا هو الانتصار ؟؟؟ ألاحظ من متابعتي الدائمة لكل المناقشات والخلافات أن سواء طارح الموضوع أو المشاركين في النقاش يدخلون حلبة النقاش بفكرة مسبقة وتحيز واضح ... وهناك من يذكر في أول كلماته أنه هنا ليثبت فشل أو كذب الرأي الفلاني وهذا يعطي انطباع لمن يريد النقاش الهادئ والعقلاني بأن لا فائدة من النقاش وأن الانسحاب أكرم.


ألم يأن لنا كعرب أن نتعدى سن الرشد ونتعرف سوياً على حقوقنا وواجباتنا تجاه الآخرين؟؟؟

معروف أن صغار السن تكون ال "أنا" عندهم عالية جداً والأنانية تكون عنوان تعاملهم مع العالم الخارجي ... ولكن مع النضج العقلي والسني نجد أن الإحساس بالعالم الخارجي يعلو عن الأنا ويبدأ الفرد يفكر بمن يحيطونه ويبدأ في وضع أولويات ومقاييس في التعامل ..

تحياتي واحترامي للجميع وأرجو من قلبي أن تكون كلماتي لها تأثير ايجابي ومردود مناسب .

والله من وراء القصد.

Wednesday, December 6, 2006

إبداع

خلقت كأبدع ما يكون الخلق .. أبدعتها ريشة فنان عبقري "جل شأنه".. لم أستطع في نظرتي إليها أن أنظرها بنظرة رجل لأنثى جميلة بل كانت نظرة عابد مؤمن لآية من آيات خلق الله ..

لم أنظر إليها كمجرد بشري .. بل سموت بروحي وأحاسيسي لأتمثل فيها قدرة الخالق، فهي بالنسبة لي إبداع فنان عبقري رسم بريشة الأبدية لوحة الخلود .. تضمنت الكون كله ثم بلمسة حانية رفيقة مس بريشته قلب هذه اللوحة فكانت هي ..

عيناها كبحر هائج متلاطم الأمواج لا يعرف الاستقرار إليه سبيلا .. بحر واسع عميق أغرق بين أمواج ثوراته .. أذوب كلما نظرت إليه .. له قدرة على إذابتي في سحره دون مقاومة مني ، ومن يرغب في مقاومة سبب خفقان قلبه وسمو مشاعره وإحساسه بالسعادة ؟!

شعرها هو الليل بكل غموضه وسحره .. بكل شجنه و أحلامه .. بكل ما يحمله من مشاعر الخوف والرهبة من المستقبل الذي قد لا يجمعني بها.. الأمل في اندلاع فجر الحب الذي يضمنا معاً في مكان واحد للأبد ..

الرغبة في ذوباني وإياها في الكون لنكون معاً للأبد .. ونُمنح الخلود الذي تعجز أجسادنا البشرية عن منحنا إياه .. تطايره يذكرني بنسمات الليل الهفهافة التي تداعب الوجه في حنان .. انسداله على جانب وجهها يشّبهني بالقمر عندما تحجب سحابة جزء منه لا يخفي ضياؤه ولكن يزيده جمالاً وسحراً وغموضاً ..

شفتاها كالثمرة اليانعة التي تنتظر قطافها ، يتمنى المرء لو يمسها بفمه لينهل من رحيقها العذب ، عنقها المرمري لا تدانيها في جماله فينوس ، أناملها الرقيقة يتمنى المرء لو احتواها بين راحتيه وقبّلها ليشعر بملمسها على شفتيه .. خفقان قلبي عند رؤيتها أبلغ من أي كلام أحاول أن أنطقه بشفتاي ، فمهما قلت فلن أستطيع الإلمام بجوانب الكمال فيها .

وقلبي له حديث آخر - سري – مع قلبها ، لذا لن يسمعه سواها لكن كيف؟؟

الزمن وحده قادر على إجابة سؤالي الحائر……

- سلوا كئوس الطلا هلاّ مست فاها واستخبروا الراح هل مسّت ثناياها

هيفاء كالبان يلتف النسيم بها وينثني تحت الوشي عطفاها

"أحمد شوقي"

أميرة قلبي

أتسائل كيف وقعت بحبك؟ولماذا؟! حقيقة لست أدري سر ضعفي هذا

أنا من تعلم بمدرسة الغرام حتى صرت فيها أستاذا

فإذا بي راسب بجدارةٍ عندما رأيت إشراقك الأخاذا

لا أذكر كم من غرامٍ هادرٍ لم يقدر يوماً إليّ نفاذا

كل من سبقنكِ سقينني قطرات حب ناعمٍ ورذاذا

إلا هواكِ كان بحراً جارفاً أبحرت فيه بغير شراعا

فأنا الغريق .. أنا القتيل أنا الذي بجزيرة الأشواق حن ولاذا

من خمر عينيك شربت الحب حتى ثملت بغير كاسا

فإلى متى تظلين الأميرة وأظل أستجدي الهوى شحاذا

وكأني ببابك طفلاً واقفاً تجدين بذلِ عينيه استلذاذا

أرجوكِ تكلمي .. ألا تم لكين غير "لا" و"لماذا"؟؟

جودي عليّ بواحةٍ من قلبك أجد فيها أمناً وملاذا

ولك الأمان ..لك الحنان إن أردت بعرش قلبي استحواذا

أراك استصغرت أمري وقلتِ إني لأهوى الرجال أقوياءً أفذاذا

عنيدةٌ أنا وصلبةٌ معا.. من ذا يرضى بعنادي؟ من هذا؟؟

أجيبك..لا تقلقي وابقي معي إني أهوى المرأة الفولاذا

"عن جزيرة الأشواق لياسر قطامش"

الألحان الملائكية

تسلل ضوء الفجر الواهن من النافذة ليزيل جزءاً من ظلام الحجرة ... اتخذ طريقه بهدوء إليها ... أخذ يتحسس الجسد النائم وينتشر حوله, تتقلب في الفراش .. تتململ .. تفتح عينيها .. تبتسم للنور الذي أخذ يضيء حجرتها كما أضاء هو حياتها . حلقت بأجنحة خيالها عبر النافذة التي يتخللها الضوء البسيط .. تطير .. تحلق بأفكارها عبر الآفاق الرحبة للسماء .. تتذكر لقاؤهما الأول ....

كانت تجلس في شرفتها ليلاً .. تناجي القمر شاكية له قصة حبها الفاشل .. تبكي .. تتنهد ... يحنو عليها القمر مواسياً .. يهمس للنسيم .. فيأتي إليها حاملاً صوت خافت لألحان لا تكاد تُسمع .. تسترق السمع .. تقوى الألحان تدريجياً .. تتخللها .. تشعر بها تنتشر في جنبات عقلها .. تسمو بروحها .. كأنها ألحان ملائكية .. من فرط عذوبتها ورقتها لا تكاد تسمعها .. وإنما تشعر بها في روحها مباشرة .. مع انسياب هذه الموسيقى حولها , يبدأ البركان الثائر بداخلها في الخمود .. يرتخي جسدها المشدود .. تلين أعصابها .... تستند برأسها على المقعد .. تنصت .. وتحلق مع هذه الألحان في عالم آخر ثم تعود لتستقر ثانية في جسدها المكدود.

فجأة تصمت الموسيقى .. يُخيل إليها أنها تسمع صوت آهة متألمة ونحيب صامت محزن .. لدهشتها تُدرك أن مصدر هذا النحيب المحزن هو نفسه مصدر تلك الموسيقى الرائعة الحالمة .. تتسائل : كيف يجتمع هذا البكاء المر مع تلك الألحان ملائكية الرائعة؟؟ .. مع التركيز تدرك أن الصوت لرجل .. يسود الصمت ... تسمع صوت ارتطام كرسي بالأرض ثم سكون تام ... تنتظر ... بعد فترة تجد لا جدوى من الانتظار تدخل غرفتها لتنام .

في نفس الميعاد من اليوم التالي تخرج للشرفة ... تجلس لتستمع للموسيقى الملائكية وهي تتهادى حولها .. الألحان اليوم مختلفة .. تبدو وكأنها أكثر عذوبة من التي استمعت إليها بالأمس .. تصيخ السمع لتحدد مصدر الصوت بدقة .. تكتشف أن الصوت قادم من شقة مظلمة بالكامل في المبنى الذي يليها مباشرة .. !! ولكن كيف؟؟ واضح من الموسيقى أنها صادرة من بيانو ..فكيف يستطيع هذا العازف أن يعزف بهذه المهارة في هذا الظلام ..؟؟

ينتزعها من تساؤلاتها تغير الموسيقى بعد فترة صمت قصيرة .. الموسيقى الجديدة لها وقع آخر .. إنها ... لا توصف ... إنها .. مهلاً ..إنها سيمفونية بيتهوفن التاسعة .. تلك السيمفونية الشهيرة "القدر" .. إنها صعبة جداً و لكن العازف المجهول يعزفها ببراعة .. يؤديها باقتدار .. الموسيقى تتحول لأحاسيس تغمرها .. تكاد تتحول لكلمات .. ولكن .... كيف .. كيف في هذا الظلام؟؟؟. ترمي دهشتها وراء ظهرها وتترك نفسها لتحلق مع هذه الموسيقى الخلابة ...

بعد عدة أيام من الاستماع الليلي قررت شيئاً هاماً .. لم يكف خجلها لردعها عنه .. قررت الذهاب لبيت العازف بنفسها .. لتريح قلبها من التساؤلات .. طرقت الباب .. تناهى لسمعها صوت هادئ .. عميق ..يطالب الطارق بالانتظار .. فُتح الباب .. أطل منه صاحب الصوت وصاحب الألحان ... أحست أن نظرته غريبة نوعاً .. لم تعر هذا الأمر اهتماماً .. سألته السماح لها بالدخول بعد تعريف نفسها .. قادها لحجرة الضيافة .. لاحظت أن مشيته غريبة وإن كانت واثقة ..لم تلتفت لهذا ... بعد جلوسها سألها بتهذيب عن سبب الزيارة ... أجابته بصوت هامس : أحببت أن أتعرف على صاحب تلك الألحان الرائعة .. بدت السعادة على وجهه و سألها : ولكن كيف سمعتني؟؟ أجابته: كنت أستمع إليك ليلاً لفترة طويلة ولم أستطع منع نفسي من القدوم إليك. ولكني أريد أن أسألك : كيف تعزف بهذه المهارة بدون ضوء؟؟

أجابها والمرارة تبدو على ملامحه: لا أحتاجه..!!. لم تفهم ..ولم يمهلها لتفهم, بل اتجه إلى البيانو .. ارتطم بكرسي البيانو في طريقه .. لاحت لها في هذه اللحظة الحقيقة التي ما كانت تتوقعها ... يا لغبائي .. كيف لم أفهم ..؟؟ العزف بدون ضوء .. النظرة الغريبة لعينيه .. المشية الغير طبيعية .. يا إلهي ..!! , ثم صاحت بفزع : أأنت ....؟؟ فقال بمرارة : نعم. .. أعمى .. سألته : ولكن كيف ...؟؟ إن عزفك مُبهر... فقال لها : لقد كنت معيد بمعهد الكونسرفتوار , وتعرضت لحادث فقدت بصري على إثره . اقتربت منه وربتت على كتفه عندما لاحظت أن الدموع تسيل من عينيه في صمت .. قالت له : الأمل دائماً موجود .. وأنت مؤمن بالله , لا تفقد حسن ظنك به.

تكررت لقاءاتهما .. يتحادثان .. يتمازحان .. ثم يقوم هو يعزف لها على البيانو وهي تشجعه, بعد إلحاح أقنعته بالتقدم لمسابقة للالتحاق بدار الأوبرا كعازف محترف .. تردد .. أخذته من يده وقالت له .. سأكون بجانبك دائماً .. تخيل أنك تعزف لي وحدي كما تفعل دائماً .. ذهبا .. حان دوره في الاختبار ..همست في أذنه وهو يتقدم من البيانو : أنا معك .. تقدم ..عزف ..أبدع كما لم يبدع من قبل .. ونجح في الاختبار .. وتم تعيينه بالفعل .. بدأ المشوار في الأوركسترا كعازف عادي .. مع الوقت ظهرت موهبته واضحة ..

عرض عليه المسئولون أن يُقدم حفلات منفردة .. كاد يطير من السعادة .. بدء يشتهر .. كان مظهره بالبدلة السوداء الأنيقة و المنظار الأسود على عينيه ومشيته الواثقة في طريقه للبيانو كاف لتلتهب الأكف بالتصفيق قبل حتى أن يبدأ العزف.

كانت دائماً بجانبه .. ترافقه في كل حفلاته , وتهمس له في كل مرة : أنا معك .. وكان هذا كافياً ليفجر لديه كل طاقاته وإبداعه .. وخلال انهماكه في عمله الذي أحبه وأخرج فيه كل إمكانياته كانت هي تحاول البحث عن أمل في أن يعود إليه بصره .. وتحقق الأمل عندما قرأت في جريدة عن وصول طبيب عالمي متخصص في الجراحات الدقيقة للعيون إلى مصــر .. اتصلت به .. اتفقت معه على موعد للقاء يبدو عفوياً لفرط حساسيته وإمكانية غضبه ورفضه للموضوع لو اقترحت عليه مباشرة ..ولحسن الحظ كان الرجل هاوياً للموسيقى فاقترح أن يبدو اللقاء عفوياً من خلال حضوره كمستمع لحفلة من حفلاته ..

بعد الحفل ذهب إليه الطبيب ..وأدار معه الحوار ببراعة إلى أن وصل للنقطة التي يريدها .. وتحدث معه واستفاض بهما الكلام حول مشكلته .. اقترح الطبيب أن يأتي إليه في المستشفى كي يفحصه بدقة ويحدد مدى إمكانية نجاح العلاج .. وافق .. ورافقته هي إلى المستشفى .. وبعد الكشف والأشعة والتحاليل المختلفة ,أخبرهما الطبيب بأن نسبة نجاح عملية جراحية لإعادة البصر إليه مرتفع جداً ومُبشرة .. ولكن ...!!! كان الشرط أن يتم إجراؤها في الخارج لتوافر الإمكانيات المناسبة والرعاية المطلوبة في فترة ما بعد العملية .. تردد .. شجعته وقالت له أنها ستعتني بالشقة في غيابه .. وأنها ..... ستنتظره.

التفت إليها وسألها .. أتعنين هذا حقاً؟؟ .. أجابته والخجل باد على ملامحها وصوتها : بالطبع أعنيه .. ألم تدرك للآن؟؟ قال لها وهو يكاد يحلق من السعادة : خفت أن أكون عشت في وهم خلقته لنفسي .. أنا أُحبك .. وكل ذرة في كياني تنبض بحبك .. ولكني خشيت الإفصاح عن حبي حتى لا أُصدم .. وما كنت أتحمل فكرة فقدك.. فهمست في أذنه قائلة : وأنا أيضاً أُحبك .. ولأجل حبي هذا أرجوك أن تذهب لإجراء العملية .. أجابها : سأفعلها من أجلك .. كي أراك.. لم تشعر بنفسها إلا وهي بين ذراعيه تبكي .. جفف دموعها قائلاً : سأعود .. من أجلك.

أفاقت من ذكرياتها على صوت جرس الباب .. أسرعت تفتحه .. فهي تعلم أنه هو .. نظرت إليه .. أحاط وجهها بكفيه قائلاً .. يا إلهي .. ما أجملك .. طفرت عيناها بالدموع وهي تقول له : حمداً لله على سلامتك .. تقدم إليها .. ضمها إليه برفق وهو يمسح دموعها قائلاً : ها قد عدت يا حبيبتي ..بصيراً .. لا تمنعني عنك سحب الظلام .. ولن يفرقنا شيء , فلن أستطيع البعد عنك ثانية .. لقد كدت أُجن وأنا بعيد عنك .. لقد أصبح وجودك في حياتي أهم من حياتي نفسها .. قالت له : و أنا كنت أحسب الثوان في انتظار رجوعك وكلما مرت ثانية شعرت بأنها تقرب من موعد عودتك .. سألها : أجيبيني بصراحة .. أتتزوجينني؟؟ فضمته إليها أكثر قائلة بهمس : أتسألني؟؟.

البداية..

بقلم: عمر الطحان

فن التنكر

لا أقصد به فن تغيير معالم الوجه ..لا بل أقصد به فن تثبيت معالم الوجه في مواجهة الانفعالات المختلفة .. بمعنى ارتداء قناع سميك بارد .. دعنا من بارد هذه ولنقول حيادي الملاح ، وعندما أريد ارتداء هذا القناع لا أقصد به إلا مواجهة الانفعالات المختلفة والصدمات بوجه ثابت لا تتغير ملامحه مهما كانت ردود الأفعال بداخلي .

فأكثر ما يضايقني هو أن أشعر أن مشاعري مكشوفة أمام من يواجهني وأجده قادراً على اكتشاف خبيئة نفسي و حقيقة انفعالاتي مما يظهر على وجهي من رد فعل تلقائي لدي سماعي لأي خبر أياً كان نوعه لذا أريد أن أكون دائماً بوجه خالي من الانفعالات .. لا يشف أبداً عما يعتمل بداخلي .. أن أكون ذا قناع حي يخفي أسراري .. لا يشي بي .. يمنع مشاعري من الظهور على وجهي ، لذا تعجبني فكرة الرجل ذو القناع الحديدي ، لا أن يظل وجهي - مثله – مختف خلف قناع حديدي طيلة حياتي فلا أُعرف ولكني أقصد به قناع حديدي حي .. أي هو وجهي ولكنه لا يتحرك أمام أي انفعالات داخلية .. قناع لا تستطيع النظرات الموجهة إليه اختراقه وسبر غوره وكشف خبيئته ، أتسائل لماذا ؟! لا أجد جواب .

لكن ماذا قلت في البداية؟؟ "تغيير معالم الوجه" .. آه إنه خاطر جدير بالتفكير فيه ، ومن يدري ، ربما.